فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 145

ويذكرنا انتصار الاشتراكية بانتصار المسيحية في بدء أمرها، فلقد انتشرت المسيحية

أيضًا مع ما في مبادئها من منطق ضعيف ومع ما أتى به الفلاسفة من انتقاد لها، وما

لبثت - بفعل التلقين والعدوى النفسية - أن اعتنقها أصحاب النفوس النيرة وأولو

العقول الراجحة.

وأهم سبب في نجاح الاشتراكية ظهورها في وقت يكفر الإنسان فيه بآلهته القديمة

باحثًا عن آلهة أخرى، فالإنسان لا يقدر على العيش من غير دين، أي من غير أمل.

ولا فرق بين الطبقات الاجتماعية كلها من هذه الجهة، فإذا كفرت الطبقات بالآلهة

فلتؤمن بالأصنام، وبهذا نفسر السبب في انتشار الاشتراكية بين الخواص كانتشارها

بين العوام، وقد أصبح هذا المعتقد من القدرة على سحر الناس بحيث يجعل الطبقات

المتعلمة تضيع كل يقين بعدل قضيتها، ولا تدافع أمام أوقح الخطباء، فكأنه ران على

قلوبها الخوف وحب الإنسانية المبهم الذي هو بالحقيقة مظهر مبهم حقير للأثرة وعلامة

انقراض كما لاحظ (رينان) .

ولا تنتشر الاشتراكية لما في مثلها الأعلى المادي الذي نقترحه من قيمة بل على رغم

هذا المثل الأعلى، أي إنها تنتشر لما تبذره في النفوس من أمل ديني في جنات دنيوية يتمتع

فيها جميع الناس بسعادة سرمدية، وقد أتيح لي مرات كثيرة أن أثبت أن الناس اقتتلوا

في غضون التاريخ في سبيل المبادئ أكثر مما في سبيل قضاء حاجاتهم المادية، فالأمل

بالعمل تحت سيطرة حكومة اشتراكية لكسب العيش لا يستهوي أحدًا، وقد توصل

إلى مثل هذه النتيجة ولكن «اكتشافات الاقتصاد الاجتماعي» الموسيو (دافنيل) في كتابه

على طريقة أخرى، فانظر كيف يعبر عما في نفسه:

ليس لرغد العيش غير مكان ضئيل في تاريخ الأمم، فما رأوا أن يفكروا فيه

إلا بعد دهر طويل، وقد جدوا زمنًا كبيرًا في نيل أطايب هي من نوع آخر،

أي إن الحضارة في القرون القديمة والقرون الوسطى بحثت عن الجميل قبل

أن تبحث عن المفيد، فبرعت في إقامة المعابد والتماثيل قبل أن تبرع في صنع

المصابيح والمظال وتعلم الناس فيها الكتابة قبل أن يطلعوا على أصول التدفئة،

واكتشفوا المنقاش قبل اكتشاف الشوكة.

عاش الناس للمبدأ والخيال أكثر مما للمادة، فقد مجدوا رجال الحرب

الذين أتوا بضروب البطولة، وأحيوا ذكريات قادة الفكر وأرباب الفن الذين

لم تكن لآثارهم فائدة عملية، وأما الذين أتوا بالمخترعات التي لا غنية للناس

عنها فيظهر أن أسماءهم طمرت في عالم النسيان، فكأن الناس ما عاشوا وما

ماتوا إلا لأجل المبادئ.

واليوم نرى الذين هم أكثر الناس تمسكًا بالأموال والملاذ يركضون وراء

نعيم خيالي أكثر مما وراء قضاء حاجة جثمانية.

لم أبدأ بإدراك ما في أقوال علماء اللاهوت في القرون الوسطى من الهذيان إلا بعد

أن قرأت هذر الاشتراكيين في تكوين المجتمع القادم، فما أشبه هؤلاء بأولئك في جهل

طبيعة البشر ومقتضيات الاقتصاد، وفي الأوهام والخيالات، وفي الميل إلى القضاء على

الحال لتحقيق ما تصوروه.

حقٍّا لقد ترك علماء اللاهوت وارثين لمزاجهم الذهني، فالأوهام لم تفعل سوى تبديل

اسمها، ولا فرق بين ما توجبه الآن من التعصب والتخريب وبينه في الماضي، والاشتراكية

لأنها ديانة ذات رسل فيهم ما في علماء اللاهوت من عدم التسامح نراها ذات مبادئ

ولهجة وعقائد وطرق في النشر والإذاعة مماثلة لما يقابلها في دين أولئك العلماء.

قال (ساجيره) : «لم نطفئ نجومًا خيالية إلا لنضيء نجومًا خيالية أخرى، أي لا

فرق بين المدنية المقبلة وبين أورشليم المقدسة، فكلتاهما لاهوتيتان».

إن في نصرانية الأجيال الأولى التي نرى بينها وبين الاشتراكية شبهًا كبيرًا عامل

نجاح لا يوجد في الثانية، فالنصرانية تقول بثواب في جنات الآخرة، وأما الاشتراكية فبما

أنها تعد منذ ستين سنة بسعادة دنيوية لم تتحقق بعض تضعضع يقين الناس بها،

وأخذ يحل محلها المذهب النقابي الجديد الذي لا يدانيها في الوهم والخيال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت