ولا يحق للبلديات أن تتألم، فلا فرق بينها وبين أعضاء البرلمان في سلوك طريقة
المزايدة الانتخابية، وقد ذكرت الغلوب - إحدى الصحف المالية - أن التدابير التي
اتخذتها بلدية باريس باسم الإنسانية كلفت مساهمي شركات الترام الباريسية أكثر
من 75 مليونًا، ولما رأت هذه الشركات رؤوس أموالها تخسر اضطرت إلى العدول عن
توزيع حصص الأرباح على المساهمين، ولا شك في أن ذلك يورث الاشتراكيين فرحًا، غير
أنهم سيحزنون عندما يرون المساهمين يعتصبون ويحملون البلديات على ضمان أرباح
أسهمهم مما تجبيه من الضرائب المفروضة على جميع الناس، وحينئذ يدرك الاشتراكيون
ما للسنن الاقتصادية من قدرة مهيمنة.
ولا يجدي العذل والعتاب نفعًا، فقد أصبحت المزايدة الانتخابية والمذهب الإنساني
والخوف أدلاء سيرنا، ومصائب مثل هذه يشتد أمرها عند الأمم التي لا استقرار في
مزاجها النفسي ويهددها الانقراض.
الآن يمكننا أن نتصور أسباب مقت البرلمان: أوهام نشأت عن إسراف في الوعود، فسعى في
تحقيق هذه الوعود المستحيلة، ففوضى في الأمور التجارية والصناعية والمالية، فاضطهاد
لطبقات من الأمة في سبيل إنجاز تلك الوعود، فخيبة آمال في جميع المؤمنين بقدرة المذهب
الحكومي.
ولنثابر بعد ذلك على البحث في انتشار مقت مختلف الطبقات الاجتماعية للنظام
البرلماني: لا فائدة في الإسهاب في بيان مقت الإكليروس للنظام المذكور، فهل ينتظر من
أناس سلب البرلمان أموالهم وطاردهم وسامهم أنواع الخسف والاضطهاد أن يعطفوا على
أعضائه الذين يناصبونهم العداء جهرًا؟
ولا يقل المعلمون وكثير من الموظفين عن أولئك مقتًا للنظام النيابي، وإن لم يوجد
ما يبرر ذلك، فلم تفعل حكومة للمعلمين ما فعلته حكومة الجمهورية الحاضرة، ولم
يمقت المعلمون حكومة مقتهم لهذه الحكومة، يؤيد ذلك انضمام نقابات المعلمين إلى
جمعية اتحاد العمال الثورية حديثًا.
وأما مقت الموظفين - الذين يقرب عددهم من ثمانمئة ألف - للنظام المذكور،
فيزيد بنسبة تلبية مطاليبهم، وإذا لم يكبح جماحهم لا يبهظون الميزانية فقط بل
يقيمون في وسط الدولة دولًا صغيرة مكان السلطات الأخرى، وهم يطيعون الحكومات
ما دامت تجيبهم إلى رغباتهم، ولكنهم لا يتأخرون عن قلبهم لها ظهر المجن عندما يتعذر
ذلك لسبب مالي، وما يطلبه الموظفون الآن هو «القضاء على سلطة الوزارات، وتوزيعها
بين دواوين الإدارة»،وبهذا يتم استبدادهم الذي ليس بأخف من استبداد (هليو غابال)
و (تيبريوس) ، فالتخلص من حكم مستبد قاهر ممكن، ولكن كيف نأمل الخلاص من
ربقة استبداد رجال الدواوين الخفي؟
ويكاد الأمر كله ينتهي إليهم، فلقد قلب في فرنسا منذ مئة سنة كثير من النظم
ورؤساء الدولة والوزراء دون أن تمس سلطة الموظفين بشيء، وقد زادت هذه السلطة
على الأنقاض المتكدسة، فصرنا نبصر اليوم الذي يكونون فيه وحدهم سادة البلاد.
ومع أن عطف المشترعين على طبقة العمال لا يقل عن عطفهم على طبقتي المعلمين
والموظفين لم يخاصم المشترعين أحدٌ خصومة ذات ضجيج كالعمال، ولا حاجة إلى
(ماكيافيلي) لشرح هذا الأمر، فهو ناشئ عن أحوال الجماعات النفسية، فالجماعات لا
تحترم سوى الحكومات القوية، وهي لا تكون شاكرة لمن تنال منه رغائبها بقوة التهديد
بل تحتقره وتنظر إليه شزرًا.
لا شك في مقت العمال لرجال البرلمان، وهم يحقدون على جميع الأحزاب ولا سيما
الاشتراكيين، وإذا كانوا في بعض الأحيان يتساهلون مع رجال الدين فلشبه بين مزاج
الطرفين النفسي.