مَرَدَةً مع الضعفاء مجرَّدين من الإيمان تجريدًا لا يتأخرون معه عن رسم أشد البرامج
عقمًا والوعود استحالة.
والنائب اليوم عبد لجنته الانتخابية مارد على من لا يُعَوِّلُ على أصواتهم أيام
الانتخابات، أي يجب عليه أن يسير حسب منافع ذوي التأثير من ناخبيه وأحقادهم،
ومن ينعم النظر يرَ أنه ليس في مقامه ما يوجب الحسد، ويمكن تقدير ذلك من الكلمات
الآتية التي صور بها الموسيو (ريمون پوانكاره) حياة كاتب عدل في الأقاليم صار نائبًا
ثم وزيرًا وهي:
كان ذلك الكاتب مفعمًا بالأوهام فأضاعها بسرعة وإليك البيان:
عانى قبل كل شيء معاشرة اللجنة الانتخابية ومطاليبها، وبعد أن أصبح
نائبًا حاول أن يكون مستقلٍّا، فأفهم أنه يجب عليه أن لا يسلك هذا السبيل
الوعر وأن من العقل أن ينتسب إلى أحد الأحزاب «أوَلا تلجئه الرسائل الكثيرة
التي يطالبه فيها أصحابها بأوسمة ومعونة ومناصب ووظائف إلى الاستعانة
بحزب؟
ثم صار وزيرًا، فلم يلبث أن أحاط به بضع عشرات من الشبان الحريصين
على ركوب متن السعادة، فجعل منهم رؤساء للديوان ومعاوني رؤساء
ومساعدين وملحقين، ومع هذا أراد أن يظل قابضًا على ناصية الحكم
بيده، فصرفه مجلس الوزراء عن قصده سريعًا، وبعد أن سقط في الانتخابات
الجديدة رجع بخفي حنين إلى مدينته الصغيرة ليباشر أمور حقله بنفسه.
وعلى رغم ذلك نرى بين النواب من هم ذوو قلب سليم، ولكن هؤلاء بعد أن يجتمعوا،
ويكتسبوا ما للجماعة منصفات يعجزون عن عمل أيشيء، وقد أشار الموسيو (لابوري)
أحد نواب أحزاب اليسار إلى ذلك في مقالة نشرها بعد أن عدل عن ترشيح نفسه مرة
أخرى للبرلمان، وإليك ما جاء فيها:
ليس ما يقترحه البرلمان من أعمال تفيد المصلحة العامة بشيء يستحق الذكر،
والأعمال تُنجَز في البرلمان على وجه بعيد من الإخلاص غير منظم، وليس فيه ما
نسميه مراقبة بالمعنى الصحيح، فالنواب يدارون الوزراء لاحتياجهم إليهم في
تنفيذ مآرب الناخبين، فكأن البرلمان والحكومة يتراوحان بين رغبات الناخبين،
وأغراضهم المالية التي لا تلائم منفعة الدولة.
يستحسن مجلس النواب القوانين حسب منافع الساعة الراهنة، وقد
تعلمت في أربع سنوات قضيتها في البرلمان أن مساعي أولي الصدق والاستقامة
تذهب عبثًا.
إن المزايدة الانتخابية أحد الأسباب في مقت كثير من أبناء الوطن للبرلمان، فلنبحث
أولًا في الطرق الحكومية التي أدت إليها:
تجعل المزايدة الانتخابية النائب كثير الإذعان إزاء الوعيد، فالنائب يسرع في الإذعان
خوفًا من أن يسبقه فيه زملاؤه، وبما أن الوعيد ذا الضجيج لا يصدر إلا عن طبقة
العمال يشترع البرلمان في سبيلها غير مبالٍ بما ينشأ عن ذلك من الأحقاد بين طبقات
الأمة.
حقٍّا لقد بذرت تلك القوانين بذور الانقسام والشقاق، وأثقلت كاهل ماليتنا وعاقت
صناعتنا عن التقدم، وهي بإكراهها أرباب الأعمال على إلغاء التخرج جعلت مستقبل
مشروعاتنا الصناعية محدودًا، وقد قذفت بألوف الأولاد إلى الشوارع حتى أصبح الكثيرون
منهم من الجناة الخطرين، ولم تفعل مساعدة الطاعنين في السن سوى منح الناخبين
النافذين تسعين مليون فرنك كل سنة كما جاء في التقارير الرسمية الحديثة، وإذا أضفنا
إلى ذلك مئة المليون التي يعطاها مصفو المسكرات ومئات الملايين التي تنفق كرواتب
تقاعد للعمال، أمكننا أن نقدر درجة أثقال المزايدة الانتخابية على الميزانية والصناعة.
وقلما يبالي المشترعون بنتائج قوانينهم، فقد جاء في تقرير نشره أحد أعضاء بلدية
باريس في 2 نيسان سنة 1908 أن قوانين العمال الجديدة تكره بلدية باريس كل سنة
على دفع زيادة 600000 فرنك إلى الشركة التي تجهز معاهد الماء بالفحم.