فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 145

في اليوم الثاني من الاعتصاب مديري الفروع الستة للكهرباء في باريس، فبما أن الرئيس

المشار إليه لم يرضَ بأن تعاني مدينة كبيرة يقطنها ثلاثة ملايين من السكان - كمدينة

باريس - مآرب شرذمة من رجال النقابات أشار على أولئك المديرين بطرد عمالهم في

الحال عارضًا عليهم استبدالهم بكتيبة من الجنود، فلم يوافقه سوى واحد منهم على

اقتراحه، وأما الآخرون فرفضوا طلبه مرجحين الخضوع لأوامر رئيس النقابة، وفي اليوم

التالي أرسل هؤلاء إلى هذا الرئيس رائدًا ليعرض عليه عملًا براتب قدره أربعة آلاف

فرنك، وقد كنت لا أقص شيئًا عن هذا الجبن الذي لا يكاد يصدق لو لم يروِه لي شاهد

عدل اطلع بنفسه على ما دار في تلك الأثناء.

وقد نشأ عن الجبن العظيم الذي أبداه مديرو الكهرباء في باريس نتائج كانت تتقى

لو طردوا عمالهم ولو لأجل قصير، فالجماعات تحتقر الضعف وتحترم القوة على الدوام،

وليس في التاريخ مثال تحقق أمره بضعة ونذالة، ومما كان يسهِّل طرد عمال الكهرباء

أن ما في فروع باريس من الماكينات يشتغل آليٍّا، فتدريب الجنود عليها لا يحتاج إلى عناء

كبير.

وقد انتقدت جرائد كثيرة سير مديري الفروع المذكورة المخجل انتقادًا موجبًا

للشكر. فإليك ما جاء في (الطان) : «لم يقع منذ حدوث الأزمة الاجتماعية ما يساوي

ذلك الضعف خطرًا، ولا نعد تمرد العمال شيئًا مذكورًا بجانب ذلك الجبن الفاضح

الذي أظهره أولئك، فقد قامت الحكومة بالواجب فعرضت معونتها عليهم فأبوا مفضلين

الاستكانة»،ولهذا نقول إن أرباب العمل إذا لم يدافعوا عن أنفسهم ولم يقفوا على روح

الجماعات يستحقون ما يهددهم من السقوط وسوء المصير.

لنفسية العمال - عدا صفات الجموع العامة - خصائص اكتسبتها من بضعة مبادئ

بفعل التكرار والعدوى، وتتلخص هذه المبادئ بالكلمات الآتية التي صاغها حزب اتحاد

العامل يوجد الثروة دون أن يستفيد منها، وأما الذين ينتفعون بها: «العمال، وهي

فأناس آخرون غير موجدين لها.»

ومعالجة هذا الحيف تكون بالقضاء على المجتمع الحاضر في سبيل طبقة العمال

«وتقوية بعض الزمر لنزع رؤوس الأموال من أيدي أصحابها، وتنظيم المجتمع حسب

الخطة الشيوعية.»

وريثما يقع ذلك تأمر اللجنة بتكرير الاعتصابات المؤدية إلى رفع الأجور، ومن ثم

إلى إلغاء ربح المشروعات القديمة؛ لأن ما في مديريها من الجبن وعدم المبالاة بمصالح

المساهمين يجعلهم يجيبون العمال إلى مطاليبهم المكررة حتى يصبح ربح الأسهم وقيمتها

كالعدم.

وسيكون من النتائج القريب وقوعها تعذر إيجاد مساهمين للمشروعات الجديدة،

فها إن أبناء البلاد يفضلون الاكتتاب في الشركات الأجنبية للأسباب التي ألمعنا إليها، ولو

ذكرنا المنتجات التي تباع في فرنسا وتصنع في الخارج لضاق بنا مجال هذا الكتاب،

والعامل لعدم شعوره بما هو واقع أوشك أن يذبح دجاجة الذهب، ولما كان عاجزًا عن

إدراك عواقب الأمور لا يرى غير ما يفيده في الحال مثابرًا على ما يؤدي إلى عوزه وهلاكه

جوعًا.

ومما يعجل سقوط طبقات العمال تشدق أخلاط ناقصي العلم الذين سيحملون راية

العصيان قريبًا، فهؤلاء الأخلاط الساخطون على سوء طالعهم - لأن الشهادات التي

نالوها من حفظ الكتب المدرسية لم ترفع شأنهم - يلعنون مجتمعًا يجحد عبقريتهم

غير مبالين بمصير العمال، وهم لبعدهم من حقائق الأمور ومقتضيات الاقتصاد المهيمنة

على الحضارات الحديثة، يرون أن المجتمع القادم سينحني إجلالًا أمام مزاياهم الباهرة

التي لم يقدرها المجتمع الحاضر حق قدرها.

والعامل الذي أضله أولئك المنحطون الذين هم ثمار جامعاتنا أخذ يعتقد أنه ضحية

الجور الفادح، وهو لهذا الاعتقاد لا يفكر في غير التمرد والعصيان، وهكذا نرى رؤوس

العوام تفعم بالأوهام، ومنها تصور العامل البسيط أنه هو الذي ينتج ما لا يستفيد منه

من المصنوعات، ولو أنعم النظر لعلم أن موجدي الثروة هم أرباب الزراعة والصناعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت