فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 145

جماعة - أنها فوق القوانين. وسرعان ما انضمت إلى صفوف المهيجين لاعنة الحكومة

التي لم تُكرِه الجنود على ترك أنفسهم يذبحون غير مدافعين.

لم يتجلَّ خضوع تلك الجموع لأوامر زعمائها بما استعملته من القسوة ضد الجنود

فقط، بل بالاعتصابَيْن اللذين وقعا بعد قمع ذلك التمرد أيضًا، فأما اعتصاب عمال

المطابع الذي قصد به منع الجرائد من الصدور، فلم يوفق غير توفيق ناقص لتلكؤ

رؤساء هؤلاء العمال، وعدم سلوكهم سبيل الجزم والقسر، وأما اعتصاب عمال الكهرباء

فقد كان النجاح حليفه؛ لأن الأمر به كان قاطعًا مانعًا للجدل والأخذ والرد، وإليك صورة

الأمرالذي تلقاه كل عامل منهم»: تأمر اللجنة جميع المنتسبين إليها بالانقطاع عن العمل

يوم الخميس الواقع في 6 أغسطس سنة 1908 منذ الساعة الثامنة مساءً حتى الساعة

العاشرة صباحًا، التوقيع: ب «.

أطُيع) ب (بما لم يطع به قيصرأو أي حاكم مطلق، فنشرت الصُّحف أمره بخضوع

تام، وقد أعرب لها عن أفكاره القائلة بأنه يمقت مبدأ التجنيد العام ويزدري الحكومة

ويمقت ملك بلجيكا وأنه لا يسلم بأن يقيم رئيس الوزراء جنودًا مكان عمال الكهرباء،

وأنه سيرسل إليه تعاليمه عما قريب.

ويظهر أن هذا الزعيم يتقن أمر التهكم والسخرية، فهو يعد الاعتصاب عصا سحر

يفيد العمال، ولكنه يرى من الشرف أن يطلع أحد رجال الحكومة على وجهة نظره،

وإني - على رغم ما له من السيادة - أنصحه بأن لا يعتمد على دوام سلطته، إذ إنه

بالحقيقة عبارة عن رمز مترجم لروح الجماعة التي قد يستغلها أناس غيره، فالجماعة

مع شدة إطاعتها سريعة التقلب، وسوف لا يمضي زمن قصير حتى نرى نجم (ب)

قد أفل كما وقع لزعماء عصيان الجنود، وحينئذ يجدر به أن يسعى في نيل كرسي في

(الصوربون) ليلقي دروسًا في علم النفس العملي ويعلم زعماء الأحزاب ورؤساء الصناعة

فن قيادة الجموع.

فائدة تلك الدروس عظيمة جدٍّا ولا ريب في أن الكثير من زعماء الأحزاب وأرباب

الصناعة يجهلون نفسية الجماعات جهلًا تامٍّا، فهم يعتقدون أنهم يسحرون الجموع

بالخضوع لها مع أن الأمر ينبغي أن يكون خلاف ذلك، ومما يؤيد هذا الجهل الغريب

ذلك الاحتجاج الذي نشره النواب الاشتراكيون على أثر عصيان (درافي) ، فهؤلاء النواب

على رغم اللعنات التي صبَّها عليهم زعماء جمعية اتحاد العمال لم تحمر وجوههم خجلًا

من التصريح فيه» أنهم يؤيدون العمال المتعصبين المتمردين ويؤيدون النقابات التي

ينتمون إليها، وأنهم سيناضلون عن أي عمل يقرره الصعاليك «، وهل بيان مثل هذا غير

تنزُّل عن كل سلطة لزعماء تلك الجمعية؟

إن تلك الآراء المنحطة حافلة بالمعارف النفسية، فهي تنم على شكل علماني لأدنى

روح دينية، وإني لأفضل الزهاد الذين يطأطئون رؤوسهم أمام أوامر البابا ونواهيه على

رجال السياسة الذين يركعون أمام أوامر بعض قادة الجموع، فالزهاد مجردون عن

الأثرة والمنفعة الشخصية على الأقل.

ومن يجهل سلطان الروح الدينية لا يدرك السر في أن رجالًا نيري الذهن يؤاخون

فوضويين، يرون لأنفسهم حق قتل الجنود ومنع الجرائد من الصدور وتوقيف الحياة

العامة وغير ذلك من الأغراض التي لم يحلم بها نيرون وهليوغابال، وماذا ينال أولئك

الرجال من وراء خضوعهم؟ ينالون احتقار من يخدمونه من زعماء الجموع.

نعم دل النواب الاشتراكيون بسيرهم المذكور على جهلهم أحوال النفس، ولكن لم

يبدُ من كثير من حماة النظام حذر وبصيرة أكثر مما بدا منهم، ومن هؤلاء الحماة نائب

كتب في إحدى الجرائد أن حوادث (درافي) نشأت عن تقاعس البرلمان عن استحسان

جميع لوائح القوانين التي تقترحها النقابات، وأنه يجب الإسراع في قبولها، وكلام مثل

هذا يعني أن الحكومة بعد أن اشترت خطوط الغرب الحديدية يجب عليها أن تفرض

ضريبة على الدخل، وبذلك تطلع على الثروات فيسهل عليها أمر نزعها من يد أصحابها

متى تريد.

والقارئ يطلع على نتائج الخوف مما جرى في حضرة رئيس الوزراء، عندما جمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت