فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 145

)دوميك (في خطبته التي ألقاها في حفلة قبوله عضوًا في المجمع العلمي»: كلنا يعلم أن

مدارسنا تربي أدباء واقفين على تركيب المؤلفات القديمة وقيمتها الفنية، قادرين على

صوغ أفكارهم في قوالب منظمة والإعراب عنها بلسان لا عيب فيه، وكثيرًا ما أنحوا

باللائمة على هذا النوع من الثقافة دون أن يكتشفوا ما يقوم مقامه «.

وسوف لا يتم هذا الاكتشاف في فرنسا لما في أساتذتنا من ضعف عضال، والقارئ

يعلم أن كثيرًا من الممالك الأخرى توصلت إليه، وفي بعض الأحيان يكون عند صغار

المعلمين من الأفكار الصائبة في طرق التربية ما ليس عند رجال المجمع العلمي، تدلنا

على ذلك العبارة الآتية التي أنقلها من بيان جديد نشرته جمعية معلمي (المارن) وهي:

«التدريس ليس بالاطلاع بل بتعليم الطالب كيف يطلع، ولا بالإبداء بل بالتقلين، وليس

بالاقتسار بل بتعيين المطلب، وليس بالاستظهار بل يجعل التلميذ قادرًا على الاختيار

والتفكير والعزم والسير.»

يعجبون في الغالب من انتشار الاشتراكية الثورية بين الأساتذة وخريجي دار المعلمين،

وليس في ذلك ما يورث العجب فينا إذا اطلعنا على المبادئ السائدة لمدارسنا، فمنها يتألف

مذهب قائل إن قيمة الرجال بشهاداتهم التي يحملونها، وعلى رأس هذه الشهادات تجيء

شهادة التدريس فالدكتوراه فالليسانس فالبكالوريا، وبما أن الأستاذ حامل لجميعها

يظن نفسه من جوهر رفيع، ولحدوث هذا الظن عنده ثم شعوره باعتباره القليل في

الحياة وبراتبه الضئيل يفكر في إقامة مجتمع جديد ينال فيه مكانًا عليٍّا جديرًا بفضائله،

ولو أنعم الأستاذ النظر في حقائق الأمور لرأى الناس يتفاوتون في العالم بمزايا تختلف

عن صفة الذاكرة التي بها تنال الشهادات.

ولا تغير الحوادث شيئًا من عقول أساتذتنا، فهم لا يرون فيها غير الحيف والجور،

وهي لا تؤدي إلا إلى مقتهم المجتمع الحاضر الذي يعدون أنفسهم من ضحاياه، وقد زاد

حقدهم على المجتمع عندما أكُرِهوا - بقانونٍ وُضِعَ حديثًا - على ملازمة الثكنات تحت

إمرة عرفاء غلاظ قليلي التهذيب في الغالب، فمجتمع يجيز وضع حاملي شهادة الليسانس

أو شهادة الدكتوراه تحت قيادة أناس جاهلين هو سيئ النظام خليق بالتبديل!

ونعد إكراه رجال العلم والقلم على ملازمة الثكنات من أشد العوامل في انتشار

المبادئ غير الوطنية القائلة بتسريح الجيش، وقد سرت هذه المبادئ من علية الأساتذة

إلى أصغر المعلمين شأنًا، قال (پول آدم»: (تململ المعلم في حجرته يسوقه إلى مقت

الجندية، وهو من السذاجة بحيث لا يقدر على تصور الخطر الذي يحيق بالبلاد من

جراء تسريح الجيش في وقت يزيد فيه أنصار الجامعة الجرمانية ميزانية الهجوم الألماني

حتى يقتحموا حدودنا بجيوشهم الجرارة، وهو من البساطة بحيث لا يدري أن شيوع

مبدأ عدم الجندية مؤدٍّ إلى تسليم مصير الأمة إلى العدو «.

وهكذا يتدرج المعلمون إلى المذاهب الفوضوية، ولم يجرؤ الوزراء على الوقوف أمام

هذا التيار الخطر الذي تقتضي إزالته عزمًا قويٍّا، على أنني لا أرى انتقاد هؤلاء المعلمين،

فهم لا يفعلون غير إلقاء ما يتلقونه في المدارس العالية وما يكرهون على تدريسه من

الكتب الموجزة التي ألفها أساتذة الجامعات ولا سيما أعضاء المجمع العلمي وأركان

(الصوربون) ، ومن دواعي الأسف كون أكثر هذه الكتب غير جديرة بالاعتبار، وأعجب

ما فيها كونها مشبعة من التعصب النفسي، فلقد أشارت الصحف حديثًا إلى الشروح

ذات المسحة اليسوعية في كتاب تاريخ ألَّفه أحد أساتذة (الصوربون) المعروفين، وأشياع

للتعصب مثل هذا الأستاذ يحاكون رجال عهد محاكم التفتيش، ولو لم تكن تلك الكتب

كثيرة الملل لأثرت في خيال الناشئة تأثيرًا خطرًا وتألف منهم جيل من العصاة لا يعرف

للوطنية معنى.

وإن الحزن ليستولي علينا عندما نرى أساتذة في (الصوربون) وأعضاء في المجمع

العلمي بلغ فهيم حب استرضاء رؤساء الجامعات مبلغًا جعلهم يفسرون حوادث الماضي

التاريخية بالمبادئ الحاضرة، ومنهم من دفعه الخوف إلى عدم ذكر اسم لله في مؤلفاته

المختصرة وإلى عدم التردد في تشويه أمثال (لافونتين) ، فكلٌّ يعلم حكاية السمكة الصغيرة

التي يقول عنها (لافونتين) إنها تصبح كبيرة إذا أطال لله عمرها، فجاء المؤلفون الجدد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت