فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 145

التجارب المكررة إليها، فمع أن ذاكرة الهندوس الخارقة للعادة تسهل عليهم أمر النجاح

في امتحانات وظائف الهند العالية، أثبتت التجارب العديدة للإنكليز انحطاط أخلاقهم،

فجعلتهم يقصونهم عنها بالتدريج.

وإني أنقل عبارة من كتاب الموسيو (شايي) الذي سماه «الهند البريطانية» لبيان

الفرق بين التعليم العقلي والأخلاقي عند الإنكليز، وإليكها: «لا يبالي الهندوس بغير أمور

الذهن والقريحة، وأما الإنكليز فيعبأون على الخصوص بالخلق الذي تقاس به قيمة

الرجل الأدبية، وبالخلق يقصدون ثبات الجأش والتؤدة عند العزم، والسرعة عند السير،

والعناد عند المقاومة، والحزم عند الخطر، ومعرفة الواجب نحو الفرد والأمة، ولا يعني

ذلك أنهم لا ينظرون إلى أمور الذكاء والخطب البليغة، والمقالات الفصيحة، وإنما تجيء

عندهم في الدرجة الثانية، وما كان اللورد (لورانس) أمهر رجال وقته وأقدرهم على إدارة

الملك، ومع ذلك اختاروه نائبًا للملك لاستقامته التي لا يعلوها شيء وإرادته الحديدية.»

أشير على القارئ الذي يَوَدُّ أن يعرف الطرق والأساليب التي ترسخ بها المسائل في النفس

بأن يزور معاهد التعليم في ألمانيا، ولكنني خوفًا من أن يشعر بذِلَّةٍ من سياحته في ألمانيا

أنصحه بأن يقرأ كتاب (بيز) الذي بحث فيه عن نظام التعليم في أميركا.

وهاك خلاصة وجيزة لخَّصها الأستاذ (جاكمان) عنه:

تقوم التربية والتعليم في أميركا على مساعي الأفراد، وفيها يتسع نظام التعليم

حسب عمر الطالب، وللتجارب العملية المقام الأعلى في معارفها وفي آدابها

التي تُدرس بواسطة الرسوم والصور، وفيها يدرب الطلاب على السير الطليق

كأنه ليس في العالم غيرهم، وفيها يتلقون العلوم العملية والنظرية مستعينين

بالأجهزة والآلات المادية التي يستنبطون بها أسرار الحوادث ونواميسها.

وما يسود التعليم الأميركي يسود التعليم الإنكليزي، فإليك عبارة أقتطفها من بيان

وزعته إدارة التعليم الأسكتلندية على الأساتذة»: ليست غاية التعليم الرئيسة اكتساب

عدد من المسائل، بل تعويد الطالب أمر البحث والتنقيب الذي قد ينفعه في تهذيب نفسه

تهذيبًا منظمًا، ومن هذا يُسْتَدَلُّ على أنه يجب على كل طالب أن يدرس كل مسألة في

المختبرات بنفسه، وأن لا يكون لأدلة الأساتذة وبراهينهم فيه سوى شأن ثانوي، ويجدر

بالدرس في المختبرات أن يسبقه إيضاح من الأساتذة لما يشاهده الطلاب فيها، وأن يعقبه

قياس لما علم فيها من النتائج ومناقشة في ما بين هذه النتائج من فروق، وإذا أتى

الأساتذة بأدلة وبراهين فلتأييد النتائج وشرح شواردها. «

ليست هذه الطرق التدريسية أمرًا جديدًا، فقد مارستها البلاد جميعها سوى البلاد

اللاتينية، وقد ساعدت على رقي ألمانيا العلمي والاقتصادي، وإذا كنا لم نسر عليها فلأن

ذلك يتطلب - كما بيَّنتُ آنفًا - تبديل روح الأساتذة ثم روح الأبوين فروح التلامذة.

والذي يجب تغييره هو روح الأساتذة على الخصوص، وهل يمكنهم أن يسلكوا

سبيلًا غير سبيل الاستظهار وقد شبوا عليه؟ إن الجهود التي بذلت لتبديل روح الأساتذة

ذهبت أدراج الرياح، فكأن تلك الروح التي نسجها التعليم المدرسي التقليدي ثبتت ثباتًا

أبديٍّا، وكأن الأساتذة الذين تخرجوا على الكتب واتخذوها أدلاء لهم سيموتون منكبين

على مطالعتها بعيدين من العالم الحقيقي.

ولماذا يجب تبديل نفسية الأبوين ونفسية الطلاب بعد تبديل نفسية الأساتذة؟ لأنهم

لا يطالبون الأساتذة إلا بتهيئة الفتيان لاجتياز الامتحان، وأسهل طريقة عندهم للنجاح

في الامتحان هي حفظ سلسلة من الكتب الموجزة عن ظهر القلب، وإن كانت الكتب

الموجزة لا تمنح الفتيان سوى معارف مؤقتة غير ثابتة.

والأساتذة القليلون الذين يرجحون طرق التعليم التجريبية المغذية للروح يقصون

عن مهنة التدريس، ومما يكرره رؤساؤهم هو أن الوقت الذي يقضيه الطالب في الاختبار

والتجربة يكون أصلح لو يقضيه في استظهار الكتب حتى يصبح مستعدٍّا ساعة الامتحان

للإجابة بجنان ثابت.

ثم لم تكن غاية أساتذتنا أن يُربُّوا رجالًا بل أن يعلموا حسن النطق، قال الموسيو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت