بنتائج سلم تكره أمة عليه: فلقد تمتعت الهند - وهي من أكبر أقطار الأرض مساحة
وسكانًا - بنعم طمأنينة مطلقة منذ قرن، فكانت نتيجة هذا السلم الإلزامي الذي فرضته
يد إنكلترة الحديدية زيادة عدد سكان الهند ثلاثين مليونًا في عشرين سنة، فأصبح ما
يصيب كل كيلو متر مربع من السكان ضعف ما يصيبه منهم في أكثر بلاد أوربا أهلًا،
وقد أوجب هذا التكاثر وقوع الهند في بؤس عام اشتد أمره بما حدث فيها من مجاعات
لم تخفف أسلاك البرق وخطوط الحديد وطأتها، فهلك في إقليم (أوريسا) سنة 1866
مليون شخص، وهلك في (البنجاب) سنة 1868 (1200000) شخص، وهلك في (الدكن)
سنة 1874 (1300000) شخص، فهل تعد حروبنا شيئًا مذكورًا بجانب هذه الملاحم؟
وهل الموت جوعًا أفضل من الموت بالمدفع؟
على أن البحث في منافع الحرب ومساوئ ها ليس له سوى فائدة نظرية، فأمر اختيارها
لا يقع تحت قدرتنا، ونحن نكابدها من غير أن يكون لنا تأثير في ذلك، وأحسن وسيلة
للاستعداد لما قد يحدث من منازعات وحروب هو تعميم الروح العسكرية بين أفراد
الأمة فهذه الروح هي سر القوة في الجيوش، وبغيرها تكون الأمة - مهما تكن أسلحتها
-كناية عن قطيع متقلب لا يقاوم صدمة، ولهذا أعد الكتاب والخطباء الذين يجرؤون
على هدم تلك الروح أعداء للوطن مفسدين للمجتمع، ففي اليوم الذي نفقد فيه الروح
العسكرية يغزو الأجنبي بلادنا، ويقضي على كياننا فتغيب عن التاريخ.
لنكرر ذلك البيان متصورين نتائج الحرب القادمة التي ينبئ بوقوعها الكتاب
العسكريون، ولا يذهب عن بالنا أن هذه الحرب ستكون حاسمة كالتي قصها التاريخ
قائلًا إنها لم تنته إلا بإبادة أحد الطرفين، أي أن الحرب المقبلة ستكون فاقدة الرحمة
مؤدية إلى تخريب كثير من البقاع تخريبًا منظمًا حتى لا يبقى فيها بيت ولا شجر ولا
بشر.
ولا تغب هذه المعارف ثانية واحدة عن بالنا عندما نربي أولادنا وندرب جنودنا،
ولنترك لفرسان البيان خطب السلم والإخاء الفارغة المشابهة للمناقشات الكلامية التي
كان يأتي بها سكان بيزانطة عندما اخترق محمد الفاتح أسوارها.
ثم إن من يريد أن يجتنب الحرب أو يعوق نشوبها يجب أن يكون مستعدٍّا
لمواجهتها، وعندما يصير خوض غمارها أمرًا لا مناص منه لا يكون النصر حليف
الجيوش الكثيرة العدد، بل يُؤتَى التي تعرف الثبات والنشاط.
والحرب هي أمر نفسي كما هي علم بسوق الجيش وتعبئته، وما جهل ذلك أكابر
القواد، قال نابليون: «يتوقف مصير الحرب على مقدار قوة الجيش المعنوية، فالقوة
المعنوية نصف الحقيقة»، وعلى المحاربين أن لا ينظروا إلى مقدار قتلاهم وجرحاهم،
فالنصر يكون بجانب الطرف الذي يعرف كيف يصبر على ما أصابه، وبمناسبة ذكر
القوة المعنوية نقول إن الجيوش التي تنحط قوتها المعنوية تصبح من فصيلة أخلاط
(سرخس) ، والتي تسمو قوتها المعنوية تكون من نوع غزاة الإسكندر.
وإذا تبين لنا أن قيمة الجيوش بقوتها المعنوية وبمستواها الخلقي أكثر مما بكثرة
العدد اتضح لنا أن الحرب مسألة نفسية قبل كل شيء، وبالاستدلال البسيط الآتي نطلع
على أهمية العوامل النفسية في الحروب: أجمع الكتاب الحربيون على أن هنالك حدٍّا لما
يتحمله الجيش من خسارة، فقد أثبتت التجارب منذ قرون أن الجيش متى يفقد عشرين
في المئة من أفراده يعد نفسه مغلوبًا، وهذه النسبة هي ما نسميها الحد المخل بالقوة
المعنوية، ولا ريب في أن الهزيمة نتيجة مؤثر نفسي لا ضرورة مقدرة، فالجيش الذي
يخسر عشرين في المئة من أفراده يبقى منه أربعة أخماسه أي قسمه الأوفر، والآن لنفرض
أن قدرة سحرية أثرت في قوة هذا الجيش المعنوية فجعلته يستميت، فإن مجرد إحداث
تغيير في حالته النفسية يجعل هزيمته تنقلب إلى نصر، وإن لم تنل يد التبديل أسلحته
وتعبئته، وبيان الأمر أن استمرار النزاع يؤدي إلى فقد الغالب الأول خمس جيشه؛ أي
إلى دخوله في ذلك الحد المخل بالقوة المعنوية، وبما أنه بعد أن يدخل في الحد المذكور
لا يتفق له ما اتفق لخصمه من قوة معنوية تمن بها عليه تلك القدرة السحرية التي
فرضناها للأول ينهزم ويصبح مغلوبًا بعد أن كان غالبًا.