تحدتنا ألمانيا في مراكش طمعًا في حملنا على شهر الحرب عليها، وما دار بيننا وبينها من
البرقيات يثبت لنا مقدار الوقاحة التي عاملتنا بها، والذي جعل إمبراطور ألمانيا يعدل
عن تلك الحرب هو خوفه من أن يضرب أسطول إنكلترة - التي لا بد من أن تنضم إلينا
-مرافئ بلاده.
والأمم استفادت من هذا الدرس فزادت حزبيتها زيادة مطردة، وضرورة التسليح
هي التي أوجبت زيادة الضرائب في إنكلترة، فجعلتها تنفق على بحريتها أكثر من مليار
فرنك.
وأما فقد الرجال الذي هو ثانية المساوئ فالعبرة بنتائجه البعيدة، فلقد أدت حروب
نابليون إلى هلاك ثلاثة ملايين من الرجال، ولما نشأ عنها استيلاء فرنسا على مقادير
الشعوب عشرين سنة، وأورثتها أسطورة فخر وقضت بها حاجة الهدم والتخريب
الطبيعية لا نرى كبير بأس فيها، وكل ما نراه في الحروب من نتائج سيئة هو قضاؤها
على أقوى رجال الأمة، وتقليلها عدد سكانها وزيادتها نحافة. على أن نتائج مثل هذه لا
تكون شديدة الخطر إلا على الشعوب التي يكون عدد سكانها في دور التوقف.
يبين رجال الإحصاء لنا ثمن الحروب الغالي غافلين عما تعود على البشر من منافع، ومن
المنافع التي تمن بها الحروب هو منحها الشعوب روحًا قومية، فبالحروب تتكون تلك
الروح وتستقر، ومن الأمور المعلومة أنه لا حضارة للشعوب بدونها.
والحروب توطد دعائم الروح القومية عند النصر وتزيدها قوةً عند الهزيمة، فنحن
خلافًا لما اتفق عليه الجمهور نرى معركة (ينا) لم تكن نكبة أصيبت بها ألمانيا، فلولاها
لتأخر تأسيس الجامعة الألمانية وشوكة ألمانيا قرونًا كثيرة على ما يحتمل، ولو نظرنا إلى
النتائج البعيدة للحوادث لقلنا إن معركة (ينا) هي بالحقيقة مصيبة أصابت فرنسا دون
ألمانيا.
ولنطرح ما للحروب من مؤثرات غير مباشرة في الشعوب، فهنالك مؤثرات مباشرة
مهمة لا يسعنا إنكارها، فلقد نشأ عن الحروب الأخيرة انتشار مبدأ التسليح العام في
أوربا، وماذا كانت نتيجة هذا المبدأ؟ يقول المحصون إنه أوجب تدهورًا في مالية الدول،
فيجيبهم علماء النفس عن ذلك بأنه أورث الشعوب سموٍّا في أخلاقها، فلولا نظام التجنيد
الإلزامي الذي يخضع لحكمه قسم الذكور من سكان أوربا لعمَّت الفوضى والاشتراكية،
وكل عامل في انحلال الحضارة الحديثة ولتداعت أركان الدين التي تقوم عليها المجتمعات
في الزمن الحالي من غير أن نجد ما يقوم مقامها، ويعلمنا ذلك النظام شيئًا من الصبر
والثبات وحب التضحية، ويملأ نفوسنا مثلًا أعلى ولو مؤقتًا، ويقاتل وحده خلق الأثرة
والميل إلى الترف في الشعوب.
لتأثير نظام الجندية في أخلاق الأمم أهمية عظيمة، وقد بيَّنها المرشال (مولتكه)
في العبارة الآتية التي جاءت في مذكراته، وهي»: تأثير المدرسة في الشبان قصير الأجل
فمن حظنا الحسن أن دور تعليمنا المدرسي لا يكاد ينتهي حتى ندخل في دور التهذيب
الحقيقي، وأعني به دور الخدمة العسكرية الذي لا يستفيد منه أبناء أمة أخرى مثلنا،
يقولون إن معلمي المدارس هم الذين ألبسونا ثوب النصر، فالعلم وحده لا يكفي لرفع
مستوى الرجل الأدبي رفعًا يدفعه إلى التضحية بحياته في سبيل المبدأ أو الواجب أو
الوطن، وإنما نظامنا الحربي هو الذي نصرنا في المعارك، وزاد أبناء بلادنا بسطة في
الجسم والعقل، وحبب إليهم النظام والدقة والعفة والطاعة والوطن والنشاط «.
ولا تقتصرفائدة النظام الحربي على رفع مستوى الخلق، فهو الذي أوجب في زماننا
تقدم الصناعة ولا سيما صناعة المعادن؛ لأن المباحث التي أتى بها لإتقان الأسلحة منحت
الصناعة ما لا عهد لها به منذ خمسين سنة من دقة علمية وإقدام فني، ولأن مقتضيات
سوق الجيش أدت إلى توسيع شبكات الخطوط الحديدية وتحسين السفن الحربية.
إذًا للشعوب في الحروب وأخطارها باعث مادي أو أدبي للحركة، فالروح الحربية هي
الدعامة الأخيرة التي تستند إليها مجتمعات الزمن الحاضر، فلتعترف الشعوب لها
بالجميل بدلًا من لعنها.
وإذا كانت البراهين السابقة لم تؤثر في السخفاء من محبي البشر، فإننا نذكرهم