فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 145

بحرية الأجانب في تقدم لاعتمادها على الصناعة الخاصة، وأما نحن فإننا نتدرج

إلى جعل بحريتنا حكومية، فلو أن الشعوب الأخرى اعتنقت المذهب الحكومي لهبطت

بحريتها إلى حيث هبطت بحريتنا.

وقد نشرت المجلة السياسية النيابية خطبة للمستر (هرولدكوكس) أحد أعضاء

البرلمان الإنكليزي أثبتت فيها بما أدلى به من الأمثلة البارزة أن الحكومة الإنكليزية لحقها

خسران كبير في الأزمنة النادرة التي أدارت فيها بعض المشاريع مع أن هذه المشاريع أتت

بربح كبير عندما كانت بيد الأفراد، ومن تلك الأمثلة صناعة المراسلة البرقية التي أدارتها

شركة خاصة حتى سنة 1870، فكانت تعود على المساهمين بربح ست في المئة من قيمة

الأسهم، ثم لما احتكرتها الحكومة انقلب الربح إلى خسارة فصار عجزها السنوي 25

مليونًا.

ولا نعجب من مثل هذه النتائج، فهي صادرة عن نواميس نفسية صحيحة، ومنها

أن الإنسان إذا أعفي من التبعة ولم يكلف الاستنباط لا تلبث قيمته الذهنية وقدرته على

الإنتاج أن تهبطا هبوطًا عظيمًا، وأرى الاشتراكيين معذورين إذا امتنعوا عن فهم هذا

الناموس، فعندما يصبح أمرًا بديهيٍّا معروفًا من قبلهم لا يبقى أثر للاشتراكية.

ومهما كان الأمر ينتشر المذهب الحكومي الاشتراكي بين الأمم اللاتينية بسرعة، ولا

تكون النتائج المضرة الناشئة عن ابتياع خطوط الغرب الحديدية رادعة للحكومة عن

ابتياع خطوط أخرى، وعن القيام باحتكارات جديدة موجبة زيادة عدد الموظفين، ويظهر

أن عاصفة جنون هي التي تسير وزراء ماليتنا في الوقت الحاضر، فقد صرح أحدهم في

مجلس النواب - بين هتاف الاشتراكيين الذين أصبحوا سادة له - أنه يفكر في الاقتراح

عليه أن تحتكر الحكومة صنع المسكرات، وأمور التأمين، وبهذه المناسبة نشرت جريدة

(الديبا) ما يأتي:

سنرى بعد اليوم أنه سيكون لسياسة الاحتكارات المالية شأن كبير في البرامج

الانتخابية، وفي أمور الاشتراع وفي ذلك ضرب من الجنون، ففي زمن يخاف فيه

أولو الذوق والنظر من تدرجنا إلى النظام المركزي الشديد الذي يصيب قوة

استنباط الأفراد بالفالج، وفي زمن يزيد فيه عدد موظفينا زيادة متصلة مثقلة

كاهل ميزانيتنا، ليس من الصواب أن تكلف الحكومة بأن تضيف إلى وظائفها

الحاضرة التي لا يحصيها عد وظائف أخرى كاحتكار صنع المسكرات وأمور

التأمين، وعلى رغم هذا ستحتكر الحكومة - بعد أن تدخلت باسم الرأفة

والحنان في جميع فروع العمل - كثيرًا من الأعمال متعللة باحتكار رأس المال

في سبيل المجتمع.

ضريبة الدخل فاتحة انتزاع الحكومة لرأس المال، فكيف تكبح الحكومة

الاشتراكية جماحها عن الإمعان في هذا النهب القانوني؟ ورواتب تقاعد العمال

فاتحة صدقات تنظم أمورها الحكومة، فكيف يمكن التريث في هذا السبيل

الاجتماعي الإنساني؟ واحتكار التعليم فاتحة جمع أمور العلم والمعارف تحت

ظل الدولة، فكيف يكون التأني في طريق المساواة العقلية؟

فمتى ينضب معين ملكة الاستنباط التي هي مصدر القوة في الأمة تقم

الاشتراكية صرحها الاجتماعي على بقعة الانقراض المتعفنة.

التوظيف عنوان الحكومية ودعامتها، فإذا أريد تخفيف سلطانها وجب الشروع في تقليل

عدد الموظفين؛ ولسبب ابتلاع الحكومة كثيرًا من الصناعات بالتدريج رأت نفسها مضطرة

إلى زيادة أهمية فروعها الإدارية، وقد أصبحت تلك الفروع في زماننا عصبات إقطاعية

قادرة على إلزام الحكومة أن تسير حسب مشيئتها.

والموظفون اليوم يطالبون بسن نظام يزيده مضمانًا، ويمنحهم كثيرًا من الامتيازات،

وسوف يخشى البرلمان زعماءهم فيقترع لذلك النظام الذي سيكون أسوأ عاقبة من جميع

الأنظمة والتدابير التي وضعت؛ لأنه سيؤدي إلى تأليف عصابة من الموظفين تقود فرنسا.

والاعتراف لعصاة الموظفين أو لمن آزروهم بحقوق خاصة عبارة عن اتخاذهم

سادة في أقرب وقت، وقد نالوا حتى الآن قسطًا لا يستهان به من السيادة، فأحقرهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت