فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 145

نعم إننا ركبنا ظهر الخطأ بسلوكنا هذا، ولكن يظهر أن الوزير الذي لاحظ ذلك

يجهل علة الأمر جهلًا يدل على باعه القصير في علم النفس، فهو لم يعلم أن مصدر

الخطأ هو انتشار المذهب الحكومي في البلاد، ولو كان يعلم ذلك لما اقترح أن يكون

للحكومة يد في إدارة شركاتنا البحرية الكبيرة واستثمارها.

وما يأتي به مستخدمو بحرية الدولة من قلة النظام وعدم المبالاة لا يصدقه العقل،

فلقد ذكر الموسيو (أجام) أن مدرعة جهزت بدرع ثقيلة جدٍّا، فبدل بها درع خفيفة إلى

الغاية، ثم اقتضى تبديل درع أخرى بها حتى كلفت المدرعة الدولة ثلاثة ملايين.

ولا عهد لإنكلترة بمثل عدم الاكتراث المذكور المؤدِّي إلى إرهاق مالية البلاد، فالمدرعة

تكلفها ثمنًا يقل ثلاثين في المئة عمَّا تكلفنا، ويتم إنشاؤها هنالك في سنتين مع أن إتمامها

في دور صناعتنا يقتضي خمس سنوات، قال الموسيو (أجام) : «إن في الكيفية التي ننشئ

بها السفن ما يدفع الإنسان إلى استهجان المذهب الحكومي، ومقت المبدأ القائل باحتكار

الحكومة للصناعات.»

وأعمال مثل تلك تشاهد في كل جهة من بلادنا، فبعد أن قبضت الحكومة في طولون

على كثير من ملتزمي دار الصناعة، ظهر أن جميع البضائع لم تعاين منذ خمس وعشرين

سنة عند دخولها، والملتزمون لما كانوا يسلمون إلى دور الصناعة ما يودون ابتزوا على

هذا الوجه من خزينة الدولة ملايين كثيرة من الفرنكات من غير أن يحرك ذلك حمية

أحد.

عدم الاكتراث هو المبدأ الحقيقي لكل دائرة حكومية، ولا محل لهذا المبدأ في الصناعة

الخاصة، فسرعان ما يصيب الإفلاس رب العمل الذي لا يبالي ولا يراقب، ثم إن الارتباك

نتيجة المبدأ الحكومي، ولا يكاد الإنسان يتصور مقدار ما يوجبه هذا المبدأ من الأمور

السيئة في المستعمرات التي لا تنالها يد المراقبة، فقد ذكر الموسيو (مسيمي) أنه لا حد

لسوء تصرف الموظفين فيها وأنهم يلقون في قلوب أبنائها غيظًا كبيرًا ضدنا لعدهم هؤلاء

الأبناء عبيدًا جديرين بتطبيق نظام السخرة عليهم وسلب أموالهم، وأين تذهب النقود

التي ينهبها موظفونا في المستعمرات ظلمًا وعدوانًا؟ إنهم ينفقونها على الفخفخة الباطلة،

وإليك خلاصة تقرير الموسيو (مسيمي) التي جاءت في إحدى الصحف:

ترك في الهند الصينية أمر تنظيم الميزانية إلى فرنسويين لا يبالون بغير منافعهم

الشخصية، فهنالك توضع ميزانية طائشة تمنح رجال الإدارة الفرنسويين

رواتب وافرة وتعويضات كبيرة، يستطيعون بها أن ينفقوا على مظاهر

العظمة الفارغة كما يودون، وقد أدمج أحد رجال الإدارة المذكورين في الميزانية

13200 فرنك لتنوير قصره بالكهرباء، وفي الغالب نرى للواحد منهم ست

عربات خاصة، وإذا نظرنا إلى الحرس الأهلي المؤلف من 16000 رجل رأينا

عددًا كبيرًا منه يقوم بأمور الخدمة في بيوت أولئك الفرنسويين، ومن بين

رؤساء ذلك الحرس نذكر مفتشًا يستخدم منه تسعة عشر رجلًا كي يقوموا

بأمور مطبخه وسوق عرباته وزراعة حديقته وغسل ثيابه وثياب زوجته ...

إلخ.

وقد أضافت تلك الجريدة إلى هذا القول ما يأتي: «إن تعاطي المسكرات الذي هو

سبب مضاعفة الضرائب المقررة يزول إذا فرضت هذه الضرائب حسب طريقة معقولة

عادلة»، وإني لأشك في القدرة التي تُعزَى إلى الأنظمة، فالأنظمة لا تداوي الفوضى العامة

الناشئة عن علل بعيدة الغور.

علة ارتباك بحريتنا ومطبعتنا الأميرية وجميع مشاريع حكومتنا هي ما ذكرنا آنفًا،

ولكون ما تديره الحكومة من الأمور يقتضي ألوفًا من الموظفين نرى التبعة تضيع بين

هؤلاء الذين يوزعون على دواوين مختلفة فاقدة المنفعة متحاسدة غير نشيطة، فإذا أمر

أحد هذه الدواوين بصنع درع، فإنها تصنع على شكل لا يلائم جدران المركب الذي أمر

بصنعه ديوان آخر، ولو استخدم الموظفون المذكورون في المشاريع الخاصة حيث تكون

التبعة متجلية لكان سيرهم خلاف ما هو عليه في مشاريع الحكومة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت