فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 247

وأمَّا أهلُ السنَّةِ فعندهم أنهُ ما بغتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ، وأن ابن نوح عليه السلام كان ابنه ، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين:وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) [هود/42، 43] ، وقال: وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) [هود/45-46] ، فالله ورسوله يقولانِ إنهُ ابنه ، وهؤلاء الكذابون المفترونَ المؤذونَ للأنبياءِ يقولون: إنه ليس ابنَهُ ، والله تعالى لم يقل إنه ليس ابنك ، ولكن قال: إنه ليس من أهلك وهو سبحانه وتعالى قال: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) [هود/40، 41] ثم قال ومن آمن ، أي واحمل من آمن فلم يأمره بحمل أهله كلهم بل استثنى منْ سبق عليه القولُ منهم ، وكان ابنه قد سبق عليه القولُ ولم يكن نوحٌ يعلمُ ذلك ، فلذلك قال: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) [هود/45] ظانًّا أنه دخل في جملةِ من وُعدَ بنجاتهم ، ولهذا قال من قال من العلماء: إنه ليس من أهلك الذين وعدتُ بإنجائهم ، وهو وإن كان من الأهلِ نسبًا ، فليس هو منهم دينًا ، والكفرُ قطعَ الموالاةِ بينَ المؤمنين والكافرين، كما نقول إن أبا لهب ليس من آل محمد ولا من أهل بيته ، وإن كان من أقاربه، فلا يدخل في قولنا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد (1) ، وخيانة امرأة نوح لزوجها كانت في الدين فإنها كانت تقولُ إنه مجنونٌ ، وخيانة امرأة لوط أيضا كانت في الدين فإنها كانت تدلُّ قومها على الأضياف ،وقومها كانوا يأتون الذكرانَ لم تكن معصيتهم الزنا بالنساء حتى يظنَّ أنها أتت فاحشة، بل كانت تعينهم على المعصية وترضى عملهم، ثمَّ منْ جهلِ الرافضة أنهم يعظمونَ أنساب الأنبياء آباءهم وأبناءهم ، ويقدحون في أزواجهم ، كلُّ ذلك عصبيةً واتباعَ هوىً ، حتى يعظِّمون فاطمة والحسن والحسين ويقدحون في عائشة أمِّ المؤمنين ، فيقولون أو من يقول منهم: إن آزر أبا إبراهيم كان مؤمنًا وإنَّ أبويِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كانا مؤمنينِ ، حتى لا يقولون: إنَّ النبيَّ يكون أبوه كافرًا ، فإذا كان أبوه كافرا أمكن أن يكون ابنُه كافرًا ، فلا يكون في مجرد النسب فضيلةٌ ، وهذا مما يدفعون به أنَّ ابنَ نوحٍ كان كافرًا لكونه ابن نبىٍّ ، فلا يجعلونه كافرًا مع كونه ابنَه ، ويقولون أيضا: إن أبا طالبَ كان مؤمنًا ، ومنهم من يقول: كان اسمه عمرانَ ، وهو المذكور في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) [آل عمران/33] ، وهذا الذي فعلوه مع ما فيه من الافتراء والبهتان، ففيه منَ التناقضِ وعدم حصول مقصودهم مالا يخفى ، وذلك أن كون الرجلُ أبيه أو ابنه كافرًا لا ينقصه ذلك عند الله شيئا ، فإن الله يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحيِّ (2) ، ومن المعلوم أن الصحابةَ أفضلُ من آبائهم ، وكان آباؤهم كفارًا ، بخلاف من كونُه زوجُ بغيٍّ قحبةٍ ، فإن هذا من أعظمِ ما يذمُّ به ويعابُ، لأن مضرةَ ذلك تدخلُ عليه بخلاف كفر أبيهِ أو ابنهِ ، وأيضا فلو كان المؤمنُ لا يلد إلا مؤمنًا لكان بنو آدمَ كلَّهم مؤمنينَ، وقد قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ

(1) - عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ فَقَالَ « قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِى الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ » رواه أحمد بسند صحيح

(2) - قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) [الأنعام/95] }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت