ولنستمع إلى بعض الأجوبة على تلك الشكاوي -والجواب المذكور هو على السؤال الذي قالوا: إنه سأله إسحاق القمي- يقول (إمامهم) : [[يا إسحاق -راوي الخبر- ليس تدرون من أين أوتيتم؟ قلت: لا والله، جعلت فداك إلا أن تخبرني، فقال: يا إسحاق! إن الله عز وجل لما كان متفردًا بالوحدانية ابتدأ الأشياء لا من شيء، فأجرى الماء العذب على أرض طيبة طاهرة سبعة أيام مع لياليها، ثم نضب -أي: نشح ماؤه ونشف- [بحار الأنوار (5/230/هامش3) ] الماء عنها فقبض قبضة من صفاوة ذلك الطين وهي طينتنا أهل البيت، ثم قبض قبضة من أسفل ذلك الطين وهي طينة شيعتنا، ثم اصطفانا لنفسه، فلو أن طينة شيعتنا تركت كما تركت طينتنا لما زنى أحد منهم ولا سرق، ولا لاط، ولا شرب المسكر ولا اكتسب شيئًا مما ذكرت، ولكن الله عز وجل أجرى الماء المالح على أرض ملعونة سبعة أيام ولياليها ثم نضب الماء عنها، ثم قبض قبضته، وهي طينة ملعونة من حمأ مسنون -الحمأ: الطين الأسود المتغير، والمسنون: المنتن- وهي طينة خبال -الخبال: الفساد، النقصان- [المرجع نفسه من المصدر السابق، هامش رقم (3) ] وهي طينة أعدائنا، فلو أن الله عز وجل ترك طينتهم كما أخذها لم تروهم في خلق الآدميين، ولم يقروا بالشهادتين، ولم يصوموا ولم يصلوا، ولم يزكوا، ولم يحجوا البيت، ولم تروا أحدًا منهم بحسن خلق، ولكن الله تبارك وتعالى جمع الطينتين -طينتكم وطينتهم- فخلطهما وعركهما عرك الأديم، ومزجهما بالماءين فما رأيت من أخيك من شر لفظ، أو زنا، أو شيء مما ذكرت -من شرب مسكر أو غيره- ليس من جوهريته وليس من إيمانه، إنما بمسحة الناصب اجترح هذه السيئات التي ذكرت، وما رأيت من الناصب من حسن وجه وحسن خلق، أو صوم، أو صلاة، أو حج بيت، أو صدقة، أو معروف فليس من جوهريته، إنما تلك الأفاعيل من مسحة الإيمان اكتسبها وهو اكتساب مسحة الإيمان.
قلت: جعلت فداك فإذا كان يوم القيامة فمه؟ قال لي: يا إسحاق! أيجمع الله الخير والشر في موضع واحد؟ إذا كان يوم القيامة نزع الله عز وجل مسحة الإيمان منهم فرّدها على أعدائنا، وعاد كل شيء إلى عنصره الأول.
قلت: جعلت فداك! تؤخذ حسناتهم فترد إلينا، وتؤخذ سيئاتنا فترد عليهم؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو]] [علل الشرائع (ص490-491) ، بحار الأنوار (5/247-248) ] .
هذه عقيدة الطينة عندهم، وقد جاء في سياق رواية القمي في أولها قوله: [[خذ إليك بيانًا شافيًا فيما سألت، وعلمًا مكنونًا من خزائن علم الله وسره] ] [علل الشرائع (ص: 607) ، بحار الأنوار (5/229) ] .
وجاء في خاتمتها: [[خذها إليك يا أبا إسحاق! فو الله إنه لمن غرر أحاديثنا، وباطن سرائرنا، ومكنون خزائننا، وانصرف ولا تطلع على سرنا أحدًا إلا مؤمنًا مستبصرًا، فإنك إن أذعت سرنا بليت في نفسك ومالك وأهلك وولدك] ] [ علل الشرائع (ص610) ، بحار الأنوار (5/233) ] .
فهي -كما ترى- عقيدة سرية في إبان قوة الدولة الإسلامية، يؤكد على سريتها في بدايتها ونهايتها، فهل خطر ببال مخترع هذه العقيدة أنها ستقع في أيدي أهل السنة، ويعلنوها أمام الملأ كإحدى الفضائح؟!
نقد عقيدة الطينة:
أولًا: إن هذه الروايات ناقضت نفسها بنفسها، فالشيعي -كما ترى في عرض الشكاوي والأسئلة- أغرق في الجريمة، وأكثر إيغالًا في المعاصي والموبقات، وأسوأ معاملة، وأردأ خلقًا ودينًا، فكيف يكون -من هذه حاله- أفضل طينة، وأطهر خلقة؟
ثانيًا: قد خلق الله سبحانه الناس جميعًا على فطرة الإسلام، قال تعالى: (( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ) [الروم:30] .
والتفريق بينهما مما شذت به أساطير الشيعة.
ثالثًا:ناقضت الشيعة في أخبار الطينة مذهبها في أفعال العباد، لأن مقتضى هذه الأخبار أن يكون العبد مجبورًا على فعله وليس له اختيار له، إذ أفعاله بمقتضى الطينة. مع أن مذهبهم أن العبد يخلق فعله كمذهب المعتزلة [انظر: (ص638) , وما بعدها] .
رابعًا: تقرر أخبار طينتهم أن موبقات الشيعة وأوزارها يتحملها أهل السنة، وحسنات المسلمين جميعًا تعطى للشيعة، وهذا مخالف للعدل الرباني ولا يتفق مع العقل الصريح ولا الفطرة السليمة، فضلًا عن نصوص الشرع وأصول الإسلام، قال تعالى: (( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ) [الأنعام:164، فاطر:18، الزمر:7] ، وقال عز وجل: (( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) ) [الطور:21] وقال تعالى: (( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) ) [المدثر:38] وقال تعالى: (( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ) ) [الزلزلة:7-8] وقال تعالى: (( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) ) [غافر:17] وغيرها كثير.