يمكن أن يستنبط سبب القول بهذه العقيدة من الأسئلة التي زُعم أنها وجهت للأئمة، والشكاوي التي رفعت إليهم، فالشيعة يشكون من انغماس قومهم بالموبقات والكبائر، ومن سوء معاملة بعضهم لبعض، ومن الهم والقلق الذي يجدونه ولا يعرفون سببه.
ولكن تعزو الرواية المنسوبة كذبًا إلى الإمام ذلك كله لتأثر طينة الشيعي بطينة السني في الخلقة الأولى.
أسئلة مثيرة تكشف واقع المجتمع الشيعي المغلق:
ولنستمع إلى بعض هذه الأسئلة المثيرة التي تكشف واقع المجتمع الشيعي المغلق:
(روى ابن بابويه بسنده: عن أبي إسحاق الليثي قال: [[ قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر -عليه السلام-: يا بن رسول الله! أخبرني عن المؤمن المستبصر -يعني الشيعي- إذا بلغ في المعرفة وكمل هل يزني؟ قال: اللهم لا، قلت: فيشرب الخمر؟ قال: لا. قلت: فيأتي بكبيرة من الكبائر أو فاحشة من هذه الفواحش؟ قال: لا. قلت: يا بن رسول الله! إني أجد من شيعتكم من يشرب الخمر، ويقطع الطريق، ويخيف السبل، ويزني، ويلوط، ويأكل الربا ويرتكب الفواحش ويتهاون بالصلاة والصيام والزكاة ويقطع الرحم، ويأتي الكبائر فكيف هذا ولم ذاك؟ فقال: يا إبراهيم! هل يختلج صدرك شيء غير هذا؟ قلت: نعم يا ابن رسول الله أخرى أعظم من ذلك، فقال: وما هو يا أبا إسحاق؟! قال: فقلت: يا بن رسول الله! وأجد من أعدائكم ومناصبيكم -يشير إلى أهل السنة- من يكثر من الصلاة والصيام ويخرج الزكاة ويتابع بين الحج والعمرة، ويحرص على الجهاد، ويأثر -كذا- على البر، وعلى صلة الأرحام، ويقضي حقوق إخوانه، ويواسيهم من ماله، ويتجنب شرب الخمر والزنا واللواط، وسائر الفواحش فما ذاك؟ ولِمَ ذاك؟ فسّره لي يا بن رسول الله وبرهنه وبينه، فقد والله كثر فكري وأسهر ليلي، وضاق ذرعي ] ] [علل الشرائع:(ص 606- 607) ، بحار الأنوار: (5/228-229) ] .
هذا وحده من الأسئلة والشكاوي التي تكشف انزعاج الشيعة من واقعهم المليء بالمعاصي والموبقات، بالمقارنة بواقع سلف هذه الأمة وأئمة أهل السنة ومعظم عامتهم من تقى وأمانة وصلاح، وقد أجيب السائل بمقتضى عقيدة الطينة وهي: أن المعاصي الموجودة عند الشيعة بسبب أهل السنة، والأعمال الصالحة التي تسود المجتمع السني بسبب طينة الشيعي.
ويأتي سائل آخر يدعى إسحاق القمي فيقول لأبي جعفر الباقر: [[ جعلت فداك! أرى المؤمن الموحد الذي يقول بقولي، ويدين الله بولايتكم، وليس بيني وبينه خلاف، يشرب المسكر، ويزني، ويلوط، فآتيه في حاجة واحدة فأصيبه معبس الوجه، كالح اللون، ثقيلًا في حاجتي، بطيئًا فيها، وقد رأى الناصب المخالف لما أنا عليه ويعرفني بذلك -أي: يعرف بأنه شيعي- فآتيه في حاجة، فأصيبه طلق الوجه، حسن البشر، متسرعًا في حاجتي، فرحًا بها، يحب قضاءها، كثير الصلاة، كثير الصوم، كثير الصدقة، يؤدي الزكاة، ويُستودع فيؤدي الأمانة ] ] [علل الشرائع (ص489-490) ، بحار الأنوار (5/246-247) ] .
فهذا السائل يزيد عن سابقه بشكواه من سوء معاملة أصحابه، وجفاء طبعهم، وقلة وفائهم، على حين يجد أهل السنة -وهم خصومه- أحسن له من أصحابه وأقضى للحاجة، وأفضل للخلق والمعاملة والعبادة.
-وقريب من ذلك ما شكاه بعض الشيعة إلى أبي عبد الله، فقال: (أرى الرجل من أصحابنا -ممن يقول بقولنا- خبيث اللسان، خبيث الخلطة، قليل الوفاء بالميعاد؛ فيغمني غمًا شديدًا، وأرى الرجل من المخالفين لنا حسن السمت، حسن الهدي -الهدي: الطريقة والسيرة(بحار الأنوار: 5/251) - وفيًا بالميعاد فأغتم غمًا) [ البرقي المحاسن (ص137-138) ، بحار الأنوار (5-251) ] .
-ويأتي سائل رابع يشكو ما يجده من قلق وهم لا يعرف له تفسير. تقول روايتهم: (عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله ومعي رجل من أصحابنا فقلت له: جعلت فداك يا بن رسول الله! إني لأغتم وأحزن من غير أن أعرف لذلك سببًا...) [بحار الأنوار (5/242) ، وعزاه إلى علل الشرائع (ص:42) ]
ويبدو أن مصدر القلق هو تلك العقيدة غير الواضحة، والمستقرة التي تأخذ بها الشيعة، ولكن"إمامه"يفسر هذا القلق بمقتضى عقيدة الطينة.
هذه الأسئلة والشكاوي وغيرها كثير -تجدها في أبواب الطينة في الكافي والبحار، وسيأتي"نماذج"أخرى في باب أثر الشيعة في العالم الإسلامي- توضح طبيعة التركيبة الشيعية في نفسيتها، وعلاقاتها، وخلقها، ومعاملاتها ودينها.. وقد احتال شيوخ الشيعة لمواجهة هذا الإحساس الذي ينتاب بعض الصادقين من الشيعة، إزاء هذه الظواهر المقلقة والمخيفة فكانت محاولة الخروج من إلحاح هذه التساؤلات والشكاوي بقولهم بهذه العقيدة.
جواب أبي جعفر الباقر بعقيدة الطينة: