.وَكَانَ الَّذِي حَضَّ عَلَى قَتْلِهِ الشِّمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ صَارَ يَكْتُبُ فِي ذَلِكَ إلَى نَائِبِ السُّلْطَانِ عَلَى الْعِرَاقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ ؛ وَعُبَيْدُ اللَّهِ هَذَا أَمَرَ - بِمُقَاتَلَةِ الْحُسَيْنِ - نَائِبَهُ عُمَرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بَعْدَ أَنْ طَلَبَ الْحُسَيْنُ مِنْهُمْ مَا طَلَبَهُ آحَادُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجِئْ مَعَهُ مُقَاتِلَةٌ ؛ فَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَدَعُوهُ إلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ يُرْسِلُوهُ إلَى يَزِيدَ بْنِ عَمِّهِ أَوْ يَذْهَبَ إلَى الثَّغْرِ يُقَاتِلُ الْكُفَّار فَامْتَنَعُوا إلَّا أَنْ يَسْتَأْسِرَ لَهُمْ أَوْ يُقَاتِلُوهُ (1) فَقَاتَلُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ وَطَائِفَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَغَيْرِهِمْ . ثُمَّ حَمَلُوا ثِقْلَهُ وَأَهْلَهُ إلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ إلَى دِمَشْقَ وَلَمْ يَكُنْ يَزِيدُ أَمَرَهُمْ بِقَتْلِهِ وَلَا ظَهَرَ مِنْهُ سُرُورٌ بِذَلِكَ وَرِضًى بِهِ بَلْ قَالَ كَلَامًا فِيهِ ذَمٌّ لَهُمْ ؛ حَيْثُ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ كُنْت أَرْضَى مِنْ طَاعَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِدُونِ قَتْلِ الْحُسَيْنِ وَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ ابْنَ مرجانة - يَعْنِي عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ - وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُسَيْنِ رَحِمٌ لَمَا قَتَلَهُ - يُرِيدُ بِذَلِكَ الطَّعْنَ فِي اسْتِلْحَاقِهِ حَيْثُ كَانَ أَبُوهُ زِيَادٌ اُسْتُلْحِقَ حَتَّى كَانَ يَنْتَسِبُ إلَى أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ - وَبَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو هَاشِمٍ كِلَاهُمَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ . وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى يَزِيدَ ثِقْلُ الْحُسَيْنِ وَأَهْلِهِ ظَهَرَ فِي دَارِهِ الْبُكَاءُ وَالصُّرَاخُ لِذَلِكَ وَأَنَّهُ أَكْرَمَ أَهْلَهُ وَأَنْزَلَهُمْ مَنْزِلًا حَسَنًا وَخَيَّرَ ابْنَهُ عَلِيًّا بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْمَدِينَةِ فَاخْتَارَ الْمَدِينَةَ (2) . وَالْمَكَانُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ سِجْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ . لَكِنَّهُ مَعَ هَذَا لَمْ يُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَ الْحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا انْتَصَرَ لَهُ بَلْ قَتَلَ أَعْوَانَهُ لِإِقَامَةِ مُلْكِهِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ تَمَثَّلَ فِي قَتْلِ الْحُسَيْنِ بِأَبْيَاتِ تَقْتَضِي مِنْ قَائِلِهَا الْكُفْرَ الصَّرِيحَ كَقَوْلِهِ: لَمَّا بَدَتْ تِلْكَ الْحُمُولُ وَأَشْرَفَتْ تِلْكَ الرُّءُوسُ إلَى رَبِّي جيروني نَعَقَ الْغُرَابُ فَقُلْت نُحْ أَوْ لَا تَنُحْ فَلَقَدْ قَضَيْت مِنْ النَّبِيِّ دُيُونِي وَهَذَا الشِّعْرُ كُفْرٌ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ"يَزِيدَ"تَفَاوَتَ النَّاسُ فِيهِ فَطَائِفَةٌ تَجْعَلُهُ كَافِرًا ؛ بَلْ تَجْعَلُهُ هُوَ وَأَبَاهُ كَافِرَيْنِ ؛ بَلْ يُكَفِّرُونَ مَعَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَيُكَفِّرُونَ عُثْمَانَ وَجُمْهُورَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَهَؤُلَاءِ الرَّافِضَةُ مِنْ أَجْهَلِ خَلْقِ اللَّهِ وَأَضَلِّهِمْ وَأَعْظَمِهِمْ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ وَالصَّحَابَةِ وَالْقُرَابَةِ وَغَيْرِهِمْ ؛ فَكَذِبُهُمْ عَلَى يَزِيدَ مِثْلُ كَذِبِهِمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ؛ بَلْ كَذِبُهُمْ عَلَى يَزِيدَ أَهْوَنُ بِكَثِيرِ . وَطَائِفَةٌ تَجْعَلُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَخُلَفَاءِ الْعَدْلِ وَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ يَجْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ نَبِيًّا . وَهَذَا أَيْضًا مَنْ أَبْيَنِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ ؛ وَأَقْبَحِ الْكَذِبِ وَالْمُحَالِ بَلْ كَانَ مَلِكًا مَنْ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي أَمْثَالِهِ مِنْ الْمُلُوكِ . وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَأَمَّا الْحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقُتِلَ بِكَرْبَلَاءَ قَرِيبٌ مِنْ الْفُرَاتِ وَدُفِنَ جَسَدُهُ حَيْثُ قُتِلَ وَحُمِلَ رَأْسُهُ إلَى قُدَّامِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ بِالْكُوفَةِ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ . وَأَمَّا حَمْلُهُ إلَى الشَّامِ إلَى يَزِيدَ: فَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ مُنْقَطِعَةٍ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْهَا بَلْ فِي الرِّوَايَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْكَذِبِ الْمُخْتَلَقِ فَإِنَّهُ يُذْكَرُ فِيهَا أَنَّ"يَزِيدَ"
(1) -قلت: هذا الخبر من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى وهو متروك رافضي خبيث
(2) - تاريخ الطبري 3/290 الوراق