14 -ومن الملحوظات أيضا كثرة الدعاوى في الدراسة النقدية ومن ذلك الادعاء بأن قصة التحكيم مكذوبة! ولا أدري ما المكذوب في قصة التحكيم؟ أهو حدوث التحكيم نفسه بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص كممثلين لعلي وأهل العراق من طرف ومعاوية وأهل الشام من طرف آخر؟ أم رضا علي بالحكم ولو على حز عنقه فضلا عن ترك الخلافة؟ أم اتفاق الحكمين على عقد اجتماع آخر يحضره الصحابة من قابل ليختاروا من شاءوا خليفة لهم؟ وهو ما أدى إلى خروج الخوارج على علي لكونه رضي بالتحكيم الذي يعني ضمنا قبوله بالنتيجة حتى لو أدى ذلك لخلعه وبيعة غيره، أم المكذوب هو اجتماع الصحابة بعد ذلك في المكان الذي تم تحديده وحضور ابن عمر وغيره ممن اعتزل الفتنة حيث تم تداول بعض الأسماء للخلافة كاسم عبدالله بن عمرو بن العاص وغيره وعدم الاتفاق على أحد بعينه مما أدى إلى التأجيل بعد ذلك ثم حدوث اغتيال علي وتنازل الحسن عن الخلافة واجتماع الأمة على معاوية؟
فهذا القدر من حادثة التحكيم معلوم من تاريخ المسلمين محفوظ بالروايات المتواترة والمشهورة الصحيحة من حيث الإجمال وهذا القدر هو الذي أحتج به على أن الحق في اختيار الإمام للأمة وأنه عند الاختلاف والتنازع يجب الرد إليها كما فعل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب وإنما كان الخوارج هم أول من أنكر هذا الأصل وهذه السنة الراشدية التي أجمع عليها الصحابة حتى من اعتزلوا الفتنة حضروا التحكيم لكونه هو الذي أمر الله به في قوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم) .
أما ما عدا ذلك من أخبار حادثة التحكيم وما جرى في ثناياه من تفاصيل فليس ذا أهمية ولم أحتج به ولم أبن عليه أصلا من أصول الخطاب الراشدي سواء كان مقبولا أو مردودا فما هو إذا المكذوب من قصة التحكيم؟