وكل إنسان عرضة لدخول أحد هذين السببين عليه عند إصداره الحكم على الأشياء، ومن هنا كان إجماع أهل العلم والإيمان حجة قاطعة دون اختلافهم لزوال ما يخشى على العقل الإجماعي من قصور في الإحاطة بالنصوص والقواعد أو القصور في تصور الحوادث والوقائع عند صدور الحكم فيها عنه وهذا بخلاف حالهم عند اختلافهم إذ كل واحد منهم عرضه لذلك ومع ذلك أيضا لا يسع الخروج عن مجموع أقوالهم عند اختلافهم في فهم النصوص إذ الحق لا يخرج عن مجموعهم في ذلك لقوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) وقوله تعالى (ويتبع غير سبيل المؤمنين) وللحديث (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) .
ثالثا: هذا وإن ما أجمع عليه أهل الإسلام وما اتفق فيه أهل العلم والإيمان من أصول الإسلام وشرائعه أكثر مما اختلفوا فيه، قال شيخ الإسلام أبن تيمية في كتابه الإيمان ص 341 (وأن ما أجمع عليه المسلمون من دينهم الذي يحتاجون إليه أضعاف أضعاف ما تنازعوا)
وقال العلامة عبد الرحمن السعدي في المختارات ص 182 (علم الفقه وهو نوعان: نوع مجمع عليه وهو جمهور علم الفقه ولله الحمد ونوع وقع فيه الخلاف بين أهل العلم لاختلاف ما خذهم وتباين استنباطاتهم) .
وفي ما ذكره هذان الإمامان أبلغ الرد على من جعلوا من اختلاف الفقهاء فيما اختلفوا فيه حجة لهم في إعراضهم عن نصوص الشرع بدعوى أن لهم في كل قضية قولين وأن اختلافهم أكثر من اتفاقهم.
ولعل في نقل أقوال فقهاء الإسلام في هذه القضية التي نحن بصدد دراستها أصدق شاهد على صحة ما ذكره هذان الفقيهان من أن ما اتفق عليه أهل الإسلام من أمور شريعتهم هو أضعاف أضعاف ما اختلفوا فيه هذا مع أن ما اختلفوا فيه يحب بإحماعهم رده إلى القرآن والسنة ويكون أحقهم بالإتباع أظهرهم دليلا وأقوالهم حجة وأقربهم مأخذا.
وهذا أوان الشروع في ذكر أقوالهم ومن المناسب تقديم تعريف عقد الهدنة اصطلاحا.