وهذه الرسالة أمانة في أعناق المسلمين، والإيمان والالتزام بنهج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينقل الإنسان من مداركه الأرضية فتنهار أمامه موانع المكان، وتزول فواصل الزمان، ليجد نفسه موصولًا بالله يتابع خطوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحياته ينبض لها قلبه، ويساير حركاته بنور عينيه. وأول خطوة للتعرف على المدرسة النبوية هي الإلمام بحياته الشريفة - صلى الله عليه وسلم -.
وقد توافرت للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - أقلام رفيعة، وقلوب مؤمنة، ونفوس زكية، لخدمة سيرته العطرة؛ إذ إن سيرته لم تكن مرحلة عابرة تمر في مواكب الأيام مرور الذكرى، كما هي الأحداث التاريخية التي تطويها صفحات غابرة.
جاء في الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( والذي نفسي بيده لا يُؤْمنُ أَحَدُكُم حَتَّى أكونَ أحبَّ إليه من ولدِهِ ووالدِهِ والنَّاسِ أجمعين ) ) [1] . فمحبته - صلى الله عليه وسلم - لا يماري بها مؤمن بل هي واجبة، ولا تكون المحبة بالعاطفة، فإرث سيد العالمين ومحبته لا يتأتى إلا باتباعه قولًا وفعلًا، وفقه رسالته قلبًا وقالبًا، فالحب رخيص باهت إن كان كلامًا يذكر في المناسبات، لكنه عظيم غالٍ في القدوة والاتّباع.
إن سيرة النبي المعصوم - صلى الله عليه وسلم - لم تكن نظامًا مغلقًا، بل هي بوابة مفتوحة يقدم فيها كل جهد جديد متواضعًا كان أو عظيمًا، وستظل السيرة النبوية الشريفة هي الرصيد التاريخي الأول الذي
(1) رواه البخاري في صحيحه مع الفتح (1/ 58) ك: الإيمان حديث رقم 15،14، ومسلم أيضًا في صحيحه ... (1/ 67) ك: الإيمان، حديث رقم 69، 70.