الصفحة 7 من 51

). ثم أشار إلى هذا الحديث في ترجمته، إشارته الموجزة كعادته. وسكت عنه، ولم يذكر له علة. فدلَّ على أنه حديث مقبول عنده على الأقل.

وبعد: فإن هناك حديثًا آخر عن أنس بن مالك صريحَ الدلالة صحيح الإسناد:

فروى الدولابي في الكنى والأسماء (ج 1 ص 181) ، قال: (أخبرني أحمد بن شعيب، عن عمرو بن علي، قال: أخبرني سهل بن زياد أبو زياد الطحان، قال: حدثنا الأزرق بن قيس، قال: رأيت أنس بن مالك أحدث فغسل وجهه ويديه، ومسح على جوربين من صوف، فقلت: أتمسح عليهما؟ فقال: إنهما خفان، ولكنهما من صوف) .

وهذا إسناد صحيح. أحمد بن شعيب: هو النسائي الحافظ صاحب السنن. عمرو بن علي: هو الفلاَّس، الحافظ الحجة. أبو زياد سهل بن زياد الطحَّان: ثقة، ترجمه البخاري في الكبير (2/ 2/103 - 104) ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (2/ 1/197) - فلم يذكرا فيه جرحًا، فهو ثقة عندهما. وذكره ابن حبان في الثقات، كما في لسان الميزان (ج 3 ص 118) . وذكر أن الأزدي قال فيه: (منكر الحديث) ، دون بيان سبب الجرح. والأزدي ينفرد بجرح كثير من الثقات، فلا يؤبه لتجريحه إذا تفرد به. والأزرق ابن قيس: تابعي ثقة مأمون. مترجم في التهذيب.

وهذا الحديث موقوف على أنس من فعله وقوله. ولكن وجه الحجة فيه أنه لم يكتف بالفعل، بل صرح بأن الجوربين (خفان ولكنهما من صوف) . وأنس بن مالك صحابي من أهل اللغة قبل دخول العجمة واختلاط الألسنة. فهو يبين أن معنى (الخف) أعم من أن يكون من الجلد وحده، وأنه يشمل كل ما يستر القدم ويمنع وصول الماء إليها [1] . إذ أن الخفاف كانت في الأغلب من الجلد فأبان أنس أن هذا الغالب ليس حصرًا للخف في أن يكون من الجلد، وأزال الوهم الذي قد يدخل على الناس من واقع الأمر في الخِفاف إذ ذاك. ولم يأتِ دليل من الشارع يدل على حصر الخفاف في التي تكون من الجلد فقط.

وقول أنس في هذا أقوى حجة ألف مرة من أن يقول مثله مؤلف من مؤلفي اللغة، كالخليل والأزهري والجوهري وابن سيده وأضرابهم. لأنهم ناقلون للغة، وأكثر نقلهم يكون من غير إسناد، ومع ذلك يحتج بهم العلماء. فأولى ثم أولى إذا جاء التفسير اللغوي

(1) 1 قوله و (يمنع وصول الماء إليها) قلت: لعل هذا القول سبق قلم من العلامة أحمد شاكر رحمه الله، فإنه ليس في أثر أنس المذكور هذا القيد أو الشرط، بل هو أعم من ذلك بدليل أن الصوف لا يمنع وصول الماء إلى القدم كما هو معلوم بالتجربة. فأرى أن الصواب حذف هذا القول من سياق كلام العلامة رحمه الله، لأنه لا دليل عليه كما سبق، ولأنه أليق بموضوع رسالة العلامة القاسمي رحمه الله تعالى الذي اختار جواز المسح على الجورب الرقيق - وهو الحق. وهذا القول ينافيه كما لا يخفى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت