أي من قبل أنفسهم., قال أبو علي: وابتدعوها رهبانية ابتدعوها. وقال الزجاج: أي ابتدعوها رهبانية, كما تقول رأيت زيدا وعمرا كلمت., والمعنى على هذا أن الله تعالى أعطاهم الرأفة والرحمة فغيروا وابتدعوا وذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع, وذلك أن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا. [1]
قال الضحاك: إن ملوكا بعد عيسى عليه السلام ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة, فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم, فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم, فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع. وقال قتادة: الرهبانية التي ابتدعوها رفض النساء واتخاذ الصوامع. وفي خبر مرفوع: (هي لحوقهم بالبراري والجبال) .
وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة, فينبغي لمن أبتدع خيرا أن يدوم عليه, ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية.
وعن أبي أمامة الباهلي - واسمه صدي بن عجلان - قال: أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم, إنما كتب عليكم الصيام, فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه, فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها, فعابهم الله بتركها فقال:"ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها".
وفي الآية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت, وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان وتغير الأصدقاء والإخوان.
وفي مسند أحمد بن حنبل من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه فقال: مر رجل بغار فيه شيء من ماء, فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار, فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا. قال: لو أني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت إلا لم أفعل, فأتاه فقال: يا نبي الله! إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل, فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني
(1) - أحكام القرآن للقرطبي ج 17 ص 261.تفسير سورة الحديد الآية 27.وتفسير القرآن الكريم لابن كثير المجلد الثالث تفسير الآية بتصرف