وشرَّفَ قدرَهم في كتبه السابقة، وفي مقدمتها التوراة والإنجيل، وهذا يدلُّ على أن الكتبَ السماويةَ جميعَها خرجتْ من مشكاةٍ واحدةٍ، واتحدتْ في مضمونِها والتقت في مقاصدها، ولذلك نلاحظُ في مواضعَ كثيرةٍ في كتاب الله تعالى عند الحديث عن القرآن يتبعُ ذلك الحديثُ عن التوراة والإنجيل، أو عن التوراة وحدها باعتبار أن الإنجيل رسالة مكملةٌ لها وملحقةٌ بها، وكذا إذا ورد الحديث عن التوراة يتبعه الحديث عن القرآن الكريم [1] .
-تأمَّل قوله تعالى في سورة الأنعام {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? •? ? ? ? ? ? ?} وقوله تعالى في سورة الرعد { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?}
-وقوله جلَّ وعلا في سورة الفرقان { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} .
-وفي سورة فصلت {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} .
وجواب ذلك أدركه ورقة بن نوفل - رضي الله عنه - عند استماعه لأول رسالةٍ قرآنيةٍ ومن أولِّ وهلةٍ، فقال عبارتَهُ المشهورةُ:"هَذَا النَّامُوسُ الّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى - عليه السلام -" [2] ، وقول النجاشي حين استمع إلى القرآن:"إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ ... ..." [3]
سابعا: الربطُ بين أحداثِ السيرةِ العطرةِ وبين أحكامِ الشرعيةِ الغرَّاءِ
ففي ورود الحكم الشرعي في سياق الحادثة ما يقرر هذا الحكمَ الشرعيَّ ويرسخُهُ في الأذهان، ويُعمِّقُه في نفوسِ أهل الإيمان، فإذا ذُكِرَ الحكمُ ذُكِرَتِ الواقعةُ التي ورد في سياقها، وإذا ذُكِرَتِ الواقعةُ يُذكرُ الحكمُ الذي ارتبط بها، ذلك أن النفوسَ التي تتعايش مع أحداث السيرة في ضوء البيان القرآني وتتفاعل معها وتستحضرها وتتابعها بشغفٍ، تكون أكثرَ تقبلا للحكم الشرعيِّ وأسرعَ امتثالًا وأقربَ تجاوُبًا.
تأمل في حديث القرآن عن مصارف الزكاة، في قلب الحديث عن غزوة تبوك ومواقف المنافقين المخزية، والتي منها غمزُهم ولمزهم في الصدقات، جهلا منهم بمن يستحقُّها، وهنا يبين عز وجل مصارفها الشرعية وأصناف من
(1) - بينت ذلك بشيءٍ من التفصيلِ في بحث التفسير الموضوعي لسورة الأنعام وهو ضمن موسوعة التفسير الموضوعي إصدار جامعة الشارقة.
(2) - رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها كتاب بدء الوحي- باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 1/ 5 الحديث رقم: 3 - ورواه مسلم في صحيحه - عنها رضي الله عنها كتاب الإيمان - باب بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 1/ 139 - الحديث رقم 252: (160) وقوله: جَذَعًا يعني شابا قويا حتى أبالغ في نصرتك.
(3) - رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أم سلمة رضي الله عنها مسند أحمد بن حنبل ... 1/ 201 حديث 1649 وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب المغازي والسير باب الهجرة إلى الحبشة 6/ 25 حديث 9842 وقال"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق وقد صرح بالسماع"ورواه ابن خزيمة في صحيحه 4/ 13 وأبو نعيم في حلية الأولياء 1/ 115 وفي السيرة النبوية لابن هشام 2/ 180