ومن أمثلة الأئمة الذين تعرضوا لأذى القصاص أيضا ً محمد بن جرير الطبري. ولقد نقل لنا السيوطي في مؤلفه (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص) عن ابن جرير ما يلي:"إن قاصا ًجلس ببغداد فروى في تفسير قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاما ً محمودا ً) أنه (أي الله تعالى) أجلس (أي محمدا ً - صلى الله عليه وسلم -) معه على عرشه، فبلغ ذلك الإمام الطبري، فاحتد من ذلك، وبالغ في إنكاره، وكتب على باب داره: سبحان من ليس له أنيس، ولا له في عرشه جليس. فثارت عليه (أي على الطبري) عوام بغداد ورجموا بيته بالحجارة حتى بابه بالحجارة وعلت عليه" [1] .
ومن المحدثين الذين كانوا يفضحون هؤلاء الوضاعين ولا يصبرون على باطلهم: يحيى بن معين، ويدلنا على ذلك ما جاء في (لسان الميزان) حيث أورد المؤلف في هذا الشأن ما يلي:"إن هارون الرشيد لما قدم المدينة المنورة أعظم أن يرتقي منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعليه قباء ومنطقة، فتطوع القاص أبو البختري بذكر حديث فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلبسها، وكان يحيى بن معين حاضرا ً فكذبه على روؤس الأشهاد" [2] .
ولقد أجمع العلماء على أن كشف حال الوضاعين واجب ديني. ويدلنا على ذلك ما أورده السيوطي [3] في مؤلفه (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص) حيث جاء فيه ما يلي: قال الدارقطني: فإن ظن ظان أو توهم متوهم أن التكلم فيمن روى حديثا ً مردودا ً غيبة له
(1) تحذير الخواص من أكاذيب القصاص: 161.
(2) لسان الميزان 6/ 233.
(3) تحذير الخواص من أكاذيب القصاص: 118 - 125.