أما ابن تيميّة فقد أثبت قدم النوع، مثبتا له حقيقةًً موجودةً كباقي صفات الله تعالى وهي وصف زائد على كونه تعالى قادرًا مريدًا فهو يخلق بخلق بقدرته ومشيئته، كما انه يتكلم بقدرته ومشيئته والقول في صفته كالقول في باقي الصفات.
وأما الأشاعرة فهم متفقون مع ابن تيميّة في إثبات صفة الفعل لله تعالى إلا انهم يقولون بتأخر المراد عن الإرادة، أي انه لابد للحوادث من أول وان الله لم يكن يفعل في الأزل ثم فعل، وهذا هو مفهوم الفعل عندهم، ففرضوا مدة كان الله فيها غير فاعل. إلا أني أرى عدم وجود خلاف أصلا حيث نظر ابن تيميّة إلى الإرادة الصلوحية ونظر الأشاعرة إلى الإرادة التنجيزية وهم يقولون بكليهما.
فابن تيميّة يقول: إذا فرضنا قبل هذا المخلوق الأول الذي تعلقت به إرادة الله أزلًا وتأخر عنها، مخلوقًا آخر، أهو ممكن أم ممتنع؟.
فيجيب: إن مفهوم الأزل يقتضي إمكان تعلق الإرادة بالمراد أزلًا دون إثبات بداية لهذا التعلق، وان تأخر المراد عند حصول القدرة والإرادة لا يعني إلا عجزًا في المريد والقادر، وهذا مما يستحيل على الله. وبالتالي إمكان وجود حوادث لا أول لبدايتها. إلا أنها أفراد وحوادث حادثة كائنة بعد أن لم تكن، وأما نوعها فقديم.
حيث يقرر ابن تيميّة:"إن مذهب السلف على أن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء وكلماته لا نهاية لها وكل كلام مسبوق بكلام قبله لا إلى نهاية محدودة، وهو سبحانه يتكلم بقدرته ومشيئته، فالحي لا يكون إلاّ فعّالًا، فكون الله تعالى يتكلم بكلمات لا نهاية لها، وهو يتكلم بقدرته ومشيئته فهذا ما نص عليه النص الصحيح والعقل الصريح وهو مذهب سلف الأمة وأمتها، حيث أن الفلاسفة توافق على دوام هذا النوع، وقدماؤهم يوافقون على قيام ذلك في ذات الله تعالى [1] "، وأما الذين منعوا ذلك من الفلاسفة والمعتزلة إنما منعوه لعدم قيام الحوادث بذات الله تعالى، والصفات كما يرونها حوادث وأعراض لا تقوم إلا بجسم والله منزه عن ذلك، فنفوا عنه ما أثبت لنفسه من صفات.
ويفرق ابن تيميّة بين الحادث والمخلوق المنفصل عن ذات الله تعالى، فلا يلزم من كون الشيء حادثًا أن يكون مخلوقًا، فالقران مثلًا وصفه الله تعالى بأنه حادث ومحدث
(1) انظر ابن تيميّة، أحمد، (مجموع الفتاوى) ، ج 5،ص 535.