عين ما نحكم على أفراده وسيأتي بيانه لاحقًا. ولا شك أن جمهور العالم يقولون: أن العالم مخلوق كائن بعد أن لم يكن وهو قول أصحاب الملل، ومن المعلوم بداهة أن كون المفعول مقارنًا للفاعل لم يزل ولا يزال ممتنع بداهة، إلا أنه لما كان التسلسل في المستقبل لا يلزم منه التلازم بين الفاعل والمفعول وكذلك في الماضي وهذا ما دلت عليه الآيات كقوله تعالى: (ولكن الله يفعل ما يريد [1] وأيضا: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا [2] . والمثبت إنما هو الكمال الممكن فإذا كان النوع دائما فالأكمل هو التقدم على كل أفراده وكذلك دوام الفعل هو من الكمال أيضا. والتسلسل لفظ مجمل فهناك الواجب والممتنع والممكن، فالواجب ما أخبر الله به كدوام نعيم أهل الجنة مثالا في دوام أفعال الله في الأبد، وكذلك هو في الأزل وإن كل فعل مسبوق بآخر فإنه واجب في كلامه تعالى على اعتبار أنه صفة فعل له وكذلك باقي أفعاله، فكما أنها ثابتة أبدا فهي كذلك ممكنة أزلا لأنه فعّال فصفة الفعل صفة كمال له ولا يلزم منها مقارنة المفعول له فإن الله متقدم على كل مخلوق تقدمًا لا أول له، فكل مخلوق أول هو الله لا أول له وكل ما سواه كائن بعد أن لم يكن [3] .
(1) القرآن الكريم، سورة آل عمران، مدنية، آية رقم 40.
(2) القرآن الكريم، سورة الكهف، مكية، آية رقم 109.
(3) انظر ابن أبي العز الحنفي، محمد، (شرح الطحاوية) ، ص 129،130.