فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 132

إن ابن تيميّة يقرر إمكان ذلك في إثبات حوادث لا أول لها، فالعالم حادث وقد يتوقف على حادث قبله، وهكذا دواليك لا إلى أول. لكن قد يطرأ على الذهن سؤال ألا وهو: أن التسلسل باطل وقول ابن تيميّة هو عين التسلسل؟

في ذلك يجيب ابن تيميّة أن التسلسل أنواع [1] :

1.تسلسل المؤثرين والفاعلين وهذا باطل وهو مثل أن يقال لفاعل العالم فاعل ولذلك الفاعل فاعل وهلم جرا، وهذا ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول:"لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله ورسوله [2] ."

2.التسلسل في الآثار الحادثة فهذا موضع نزاع، فمن أبطله قال بمنع حوادث لا أول لها في الماضي، وهو قول المتكلمين حيث اثبتوا إمكان عدم نهايتها في المستقبل، إلا انهم نفوا عدم وجود بداية لها.

ومن الناس كالجهمية من نفى حوادث لا أول لها في الماضي، ونفى أيضا الحوادث التي لا نهاية لها في المستقبل.

وأما الفلاسفة ومعهم أهل الحديث وابن تيميّة، فهم يقولون: بإمكان حوادث لا أول لها، إلا أن الفلاسفة فهموا وجوب كون ذلك الحادث مع الله في كونه متأخرًا عن وجود الله رتبة لا زمانا، فهو موجود مع وجود الله. كوجود المعلول اللازم للعلة. وهذا خطأ لان جل ما يفهم انه ممكن إثبات التسلسل في الآثار والحوادث، إلا انه لا يلزم منه لازم الفلاسفة، إلا أن جنس الفعل قديم، وهذا الجنس هو اتصاف الله تعالى أزلا بقوة الإيجاد [3] .

ولا يلزم من اتصافه تعالى بقوة الإيجاد أزلا (جنس الفعل) أن تكون آثارها الناتجة عنها أزلية، فحكم الأفراد غير حكم الجنس. ولا يلزم من الحكم على الجنس

(1) انظر، ابن تيميّة، أحمد، (الصفدية) ، ج 1،ص 11./ وانظر ايضا له، (منهاج السنة) ، ج 1، ص 121./ وانظر له، (درء التعارض) ، ج 1، ص 261.

(2) متفق عليه، أنظر البخاري، محمد، (صحيح البخاري) ، كتاب بدء الخلق، حديث رقم 3276، شرح ابن حجر، (فتح الباري) ، ج 6،ص 366./انظر مسلم، (صحيح مسلم) ، كتاب الإيمان باب الوسوسة، حديث رقم 135، شرح النووي، ج 2،ص 153.

(3) انظر ابن أبي العز الحنفي، محمد، (شرح الطحاوية) ، ص 129،130، في إثبات مذهب أهل الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت