إلا أني أقول أن هذا التصور في صدور العالم ليس محل اتفاق عند جميع الفلاسفة، فالكندي مثلًا يتابع المتكلمين في حدوث العالم الذي سنتحدث فيه الآن.
3.قول أهل الكلام من أهل الإسلام حيث يقول الإمام الغزالي: إن العالم حدث بإرادة قديمة، اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه. وان يستمر العدم إلى الغاية التي استمر إليها، وان يبتدئ من حيث ابتدأ، وان الوجود قبله لم يكن مرادا، فلم يحدث لذلك، وانه في وقته الذي حدث فيه كان السبب حدوث المراد بالإرادة القديمة، حيث إن وظيفة الإرادة هي التخصيص، وفرق بين الإرادة والقدرة. فالإرادة مخصصة والقدرة منجزة [1] .
4.رأي ابن تيميّة: وقول أهل الحديث [2] من أهل الإسلام وحكاه ابن تيميّة عن اليهود والنصارى. ويتلخص في أن كل من سوى الله مخلوق، فالعالم هو كل ما سوى الله من الموجودات، فهو حادث كائن بعد أن لم يكن. وان الله وحده هو القديم الأزلي، فهو المختص بالقدم كما اختص بالخلق والإبداع.
وان الله لم يزل فاعلًا متكلمًا، متصفًا بصفاته الأزلية سواء الذاتية أو الفعلية. بحيث لا يتصور العقل وقتًا إلا وأمكن للعقل أن يتصور وقتًا قبله تتعلق به صفات الله تعالى بآثارها وهذا ما عبر عنه بالأزلية [3] .
ولا أرى فرقًا بين هذا الرأي والرأي السابق إلا أن الإمام ابن تيميّة فرق بينهما في ان رأي المتكلمين من الأشاعرة يوجب فترة بين كونه تعالى وحده أزلا وبين خلقه أول مخلوقاته، فهذا جلب عليهم اعتراض الفلاسفة، بينما رأي ابن تيميّة وأهل الحديث لا يوجب تلك الفترة بل يمكن صدور الأثر عن مؤثرة في أي وقت يتصوره العقل. فالخلاف في تأخر المراد عن الإرادة، فابن تيميّة يوجب عدم التأخر والمتكلمون يوجبون تأخره؛ فرارا
(1) انظر الغزالي، أبو حامد محمد، (تهافت الفلاسفة) ، ص 50.
(2) انظر، البيهقي، احمد، (الإعتقاد) ، ص 38، ص 44،ص 80، ص 91. وانظر، الاشعري، ابو الحسن علي، (المقالات) ، ج 1، ص 251،256.
(3) حكى أيضًا د. عرفان، عبد الحميد، هذا الرأي عن اليهود والنصارى، انظر كتابه: (الفلسفة الإسلامية) ، ص 80./ وانظر ايضًا د. أبو ريده، حاشية كتاب: (تاريخ الفلسفة في الإسلام) ، لدي بور، ص 331./وانظر، ابن تيميّة، أحمد، (درء التعارض) ، ج 1، ص 225.