والبيان -فضلًا على من سواهم- عن الإتيان بأية من مثله فضلًا عن أن يأتوا بقرآن مثله بل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن فلن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. ومن هنا تظهر أهمية علوم البلاغة في لسبر أغوار القرآن العظيم ومعرفة معجزته العظمى، لذا فإن الإمام الشنقيطي أولى علوم البلاغة من معان وبيان وبديع إهتمامه اللازم خلال تفسيره للآيات الكريمات.
وسأقوم في هذا المطلببتناول منهج الإمام الشنقيطي في ذكر مباحثعلوم البلاغة الثلاثة، وسأذكر مثالًا لكل فنٍ منها مبتدأً بفن المعاني ومثنِّيًا بفن البيان ومختتمًا بفن البديع، ثم أقوم بتحليل منهج الإمام في إيراده لمباحث علوم البلاغة من خلال تلك الأمثلة، ثم أختم بالإحالة إلى مزيد من الأمثلة حول هذه النقطة.
أولًا مثال على ذكر الإمام لمباحث فن المعاني:
مثال ذلك ما ذكره الإمام عند تفسيره لقوله تعالى: { .. وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: أية 46] حيث أشار إلى فائدة بلاغية متعلقة بفنِّ المعاني حول النكتة في تقديم المعمول وهو الجار والمجرور على العامل وهو الفعل، فكان ذلك لأمرين، فقال:
"أحدهما: المحافظةُ على رؤوسِ الآي، والثاني: الحصرُ، وقد تقررَ في فَنِّ الأصولِ في مبحثِ دليلِ الخطابِ - أعني مفهومَ المخالفةِ [1] : أن تقديمَ المعمولِ من أدواتِ الحصرِ، وكذلك تَقَرَّرَ في فَنِّ المعاني في مبحثِ القصرِ [2] أن تقديمَ المعمولِ من أدواتِ الحصرِ، وهذا معنى قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: أية 46] " [3] .
(1) انظر: الزركشي، البحر المحيط، 4/ 494. (ترقيم المكتبة الشاملة الإلكترونية) .
(2) انظر: السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، شرح عقود الجمان في علم المعاني والبيان، (بيروت: دار الفكر) ، 1/ 43.
(3) الشنقيطي، العذب النمير، 1/ 53 - 54. وانظر نظائرها في: 1/ 198، 2/ 103.