لم يرد في المصادر التي وقفت عليها ما يبين كيف نشأ هذا الإمام، ومتى بدأ طلب العلم، لكن بما أن والده كان من رواة الحديث وحملته، فهذا قد يستفاد منه أنه اعتنى بابنه، ووجهه إلى التحصيل منذ سن مبكرة.
وكان من عادة السلف آنذاك، أن يبدأ الطالب بحفظ كتاب الله تعالى، ثم يشتغل بالحديث بعد ذلك. قال ابن أبي حاتم: لم يدعني أبي أطلب الحديث حتى قرأت القرآن على الفضل بن شاذان [1] .
ومما يؤيد أن الإمام حماد بن سلمة بدأ الطلب في سن مبكرة هو سماعه من بعض الشيوخ الذين توفوا قديما، كقتادة بن دعامة السدوسي البصري 118 هـ، وحماد بن أبي سليمان 120 هـ الكوفي وغيرهم، فهذا يدل على أن الإمام حمادا سمع منهم قبل بلوغه سن الخمس والعشرين، ثم إنه ورد عنه أنه قال: كنت أسأل حماد بن أبي سليمان عن أحاديث المسند، والناس يسألونه عن رأيه، فكنت إذا جئت قال: لا جاء الله بك. [2]
فهذا الخبر يفيد أن الإمام حمادا له دراية بالحديث في تلك السن، إذ كان يعرف كيف يسأل شيخه حماد بن أبي سليمان، فيستفاد منه أنه طلب الحديث قبل أن يسمع من حماد ابن سليمان بمدة، فيحتمل أنه أخذ عن أبيه أولا في سن مبكرة، وكذا أخذ عن شيوخ آخرين من أهل بلده قبل حماد بن أبي سليمان الكوفي، والله تعالى أعلم.
ومن هؤلاء الشيوخ أيضا إياس بن معاوية المتوفي سنة 122 هـ، روىأبو خالد الرازي عن حماد بن سلمة أنه قال: أخذ إياس بن معاوية بيدي وأنا غلام، فقال: لا تموت أو تقص، أما إني قد قلت هذا لخالك ـ يعني: حميدا الطويل ـ قال: فما مات حتى قص. [3] فقوله"وأنا غلام"يفهم منه أنه تردد عليه وهو لا يزال صغيرا، والله تعالى أعلم.
(1) سير أعلام النبلاء (13/ 265) .
(2) الكامل في الضعفاء (3/ 39) سير أعلام النبلاء (5/ 236) .
(3) تهذيب الكمال (2/ 302) .