إذا كان الله ـ سبحانه وتعالى ـ يكره الكفر فكيف يريده مع أنه لا أحد يُكْرِه الله ـ عز وجل ـ؟ فالجواب: أن المراد نوعان:
النوع الأول: مراد لذاته: وهو المحبوب، فالشيء المحبوب يريده من يريده لذاته كالإيمان، فالإيمان مراد لله كونًا وشرعًا، لأنه مراد لذاته.
النوع الثاني: المراد لغيره بمعنى أن الله تعالى يقدره لا لأنه يحبه، ولكن لما يترتب عليه من المصالح فهو مراد لغيره، فيكون من هذه الناحية مشتملًا على الحكمة وليس فيه إكراه.
مثال ذلك: الكفر مكروه لله - عز وجل - ولكن الله يقدره على العباد، لأنه لولا الكفر لم يتميز المؤمن من الكافر، ولم يكن المؤمن محلًا للثناء، لأن كل الناس مؤمنون، وأيضًا لو لم يقع الكفر فلم يكن هناك جهاد فمن يجاهد المؤمن إذًا، ولو لم يقع الكفر ما عرف المؤمن قدر نعمة الله عليه بالإسلام، ولو لم يقع الكفر، وكان الناس كلهم مسلمين ما كان للإسلام فضل، ولا ظهر له فضل، ولو لم يقع الكفر لكان خلق النار عبثًا وقد أشار الله تعالىإلى هذا المعنى في قوله:
{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [1] .
فتبين أن المراد الكوني ـ الذي يكون مكروهًا لله ـ يكون مرادًا لغيره.
وأضرب مثلًا: {ولله المثل الأعلى} [2] ، برجل له ابن يحبه حبًا جمًا، ولو سقطت عليه شرارة من نار، لكانت كالتي سقطت على قلب أبيه، من محبته
(1) سورة هود، الآيتان: 118 - 119.
(2) سورة النحل، الآية: 60.