رأس المال يضمنها رب المال. وفريق الفقهاء الذي لم يتفق معهم في الرأي كان أكثر تحفظًا، إذ يرى بعدم جواز الاستدانة وإن أذن رب المال، استنادًا إلى نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن، ففي موافقة رب المال على الاستدانة أو الإقراض مسؤولية تتخطى حدود رأسماله ويصبح مسؤولًا عن تسديد الديون وتحصيل القروض. وفي هذا الشأن يشير الدكتور وهبة الزحيلي إلى البدائع 6/ 68 وإلى رد المحتار 3/ 377 فيقول في كتابه"الفقه الإسلامي وأدلته"- ص 3904 في البند الرابع: (( فان لم يكن في يده دراهم ولا دنانير، وصار رأسمال الشركة كله أعيانًا وأمتعة، فاشترى بدراهم أو دنانير شيئًا نسيئة، فيكون المشترى له خاصة دون شريكه، لأنه لو صح في حق شريكه صار مستدينًا على مال الشركة، والشريك لا يملك الاستدانة على مال الشركة من غير أن يؤذن له بها، كالشريك المضارب، لأنه يصير رأسمال الشركة أكثر مما رضى الشريك بالمشاركة فيه، فلا يجوز من غير رضاه. ) ).
يبدو انحراف فكرة المضاربة المشتركة عن الأحكام الشرعية في أن فكرة المضاربة المشتركة تقوم على فرضية أن المودعين خلال السنة المالية شركاء في الدخل الذي يعتبر قد تحقق عن الاستثمارات في تلك السنة استنادًا إلى تعسر الفصل والتخصيص لعدم تعين النقود، باعتبار أن من خرج أثناء مدة الاستثمار أو دخل أثنائها فكأنه يبيع حصته في رأس المال، ولذا يحصل على نسبة من الربح تتفق مع المبلغ المودع ومدة استثماره. يترتب على فرضية المضاربة المشتركة مجموعة من المخالفات الشرعية:
1 -أن التعلل بتعسر الفصل والتخصيص يتعارض مع فتوى الشافعية التى أجازت القسمة قبل قبض رأس المال إذ اشترطت أن ملك الربح لا يستقر واعتبرت توزيع الربح على مدة الأجل يمثل توزيعًا مؤقتًا لدفعات على الحساب لحين التصفية التامة. كما وأن التعلل بتعسر الفصل والتخصيص لا يمكن قبوله في عصر الحاسوب الذي يمكن لبرامجه الفصل بين الودائع والتخصيص لكل وديعة بمشاركاتها في الاستثمارات، وتحديد ربحيتها من كل استثمار بدقة مهما تعددت الودائع وتنوعت الاستثمارات، وثم قيد حصة المستثمر في ربح استثمار ماله عند تحققه فعليًا بعد استرداد رأس المال.
2 -أن اعتبار نتائج أرباح الفترة المالية أساسًا لتوزيع الربح يعني التقاص بين أرباح المعاملات الرابحة وخسائر المعاملات الخاسرة، وفي ذلك مخالفة صريحة لإجماع علماء الفقه على وجوب أن يتحمل الخسارة أرباب المال فقط وعدم جواز خلط أموال المضاربات. فإذا كان صافي ربح الاستثمارات في بنك 2 مليون دولار بنتيجة عمليات استثمارية ربحت 3 مليون دولار، وأخرى خسرت مليون دولار، فإن الإجماع يقضي بأن يحصل البنك، بوصفه المضارب، على حصتة في ربح 3 مليون دولار، بينما في الواقع العملي يحصل البنك على حصة في ربح 2 مليون دولار فقط.
3 -أن قبول المصارف الإسلامية باعتماد تحقق الإيراد على أساس"مبدأ الاستحقاق"المعتبر محاسبيًا لتحقق الربح أو الخسارة، يتعارض مع الإجماع على كون الربح لا يتحقق إلا بعد أن ينض جميع رأس المال، إذ يترتب على ذلك أن المودع خلال السنة المالية يحصل على دخل ناتج عن عمليات استثمارية تمت برؤوس أموال مودعة من قبل مودعين في السنوات السابقة ولكن دخل العمليات تحقق في السنة المالية، كما يُحرم من دخل عمليات استثمارية تمت برأسمال مدفوع منه لأن دخلها سيتحقق في سنوات مالية مقبلة. بالنتيجة، المودع لا يجني حته في الربح الحقيقي الناتج عن استثمار ماله، وهكذا توزيع للربح لا يعطي كل ذي حق حقه، كما يتعارض مع الأحكام الفقهية بأن رب المال يستحق الربح بسبب استثمار ماله، فلا يجوز إعطاء ربح على مال لم يستثمر أو تخفيض ربح مال مستثمر.