وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"أَنْزَلَ اللَّهُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ قُلْ لِلَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَيَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ مُسُوكَ الْكِبَاشِ، وَقُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِ الذِّئَابِ وَأَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ: إِيَّايَ يُخَادِعُونَ وَبِي يَسْتَهْزِئُونَ؟ لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ"جامع بيان العلم وفضله [1]
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ «إِنِّي وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ فِي نَبَأٍ عَظِيمٍ، أَخْلَقُ وَيُعْبَدُ غَيْرِي , وَأَرْزُقُ وَيُشْكَرُ غَيْرِي» مسند الشاميين للطبراني [2]
(1) - جامع بيان العلم وفضله (1/ 656) (1139) حسن لغيره
(2) - مسند الشاميين للطبراني (2/ 93) (974) صحيح
أصل الجن- بفتح الأول-: ستر الشيء عن الحاسة. يقال: جنة الليل، وأجنة، وجن عليه، فجنه، وأجنه: جعل له ما يجنه، كقولك: قبرته، وأقبرته، وسقيته، وأسقيته، وجن عليه كذا: ستر عليه. قال الراغب: والجن -بكسر أوله- يقال على وجهين؛ أحدهما: للروحانيين المستترة عن الحواس كلها بإزاء الإنس، فعلى هذا تدخل فيه الملائكة، والشياطين، فكل ملائكة جن، وليس كل جن ملائكة، وعلى هذا قال أبو صالح: الملائكة كلها جن. وقيل: بل الجن بعض الروحانيين، وذلك أن الروحانيين ثلاثة: أخيار: وهم الملائكة، وأشرار: وهم الشياطين، وأوساط: فيهم أخيار، وأشرار وهم الجن، ويدل على ذلك قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} [الجن: 1] إلى قوله عز وجل: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} [الجن: 14] .والإنس: البشر، أو خلاف الجن والملك، وسمي الإنسان بذلك؛ لأنه خلق خلقه لا قوام له إلا بأنس بعضهم ببعض، ولهذا قيل: الإنسان مدني بالطبع حيث إنه لا قوام لبعضهم إلا ببعض ولا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه. وقيل: سُمِّي بذلك؛ لأنه عهد إليه فنسى.
والنبأ: خبر ذو فائدة عظيمة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأ أن يتعرى عن الكذب، كالتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -،ولتضمن النبأ معنى الخبر يقال: أنبأته بكذا، كقوله: أخبرته بكذا، ولتضمنه معنى العلم قيل: أنبأته كذا، كقولك: أعلمته كذا، قال الله تعالى في كتابه الحكيم: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص: 67 - 68] وقال: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ: 1] والله أعلم. أفاده الراغب.
ولامعنى: أن الله جل جلاله مع خلقه من إنس وجن في نبأ وخير عظيم، وعجب عجبًا، فالله يخلق الخلق من عباد، وجماد، وشجر، وحيوان ويقدر لهم الآجال والأرزاق، ويعبدون غيره من صنم، ووثن، وحجر، ونار، وشمس، وقمر، وهوى، وشيطان، يسدي نعمه على خلقه، ويشكرون غيره، ولا ينظرون إلى نعمائه. إن هذا العمل لفعل مستبعد عند العقلاء، ومنكر فظيع عند أهل الذكاء، فهل يليق بعاقل أن يمرح في نعماء مولاه ولا يعبده، وهل يستحسن ممن عرف يمينه من شماله، وميز بينهما أن يرتفع في رزق الله جل ثناؤه ولا يشكره، بل يشكر غيره، إن هذا لبهتان عظيم. الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 68)