فإذن مناسبته لما جاء به من كان في
صلاة تطوع وناداه أبواه عليه أن يترك السنة ويجيب أبويه، لإنَّ إجابة الأبوين
واجب من العقوق، كلّ ما كان سببًا لإزعاج الوالدين فهو العقوق، والعقوق من أكبر الكبائر، وهنا نرى أنَّ الأم في المرّة الثالثة، وجدت
على ابنها، ودعَت عليها بشرٍّ، وهذا هو العقوق بعينها، وإن كان الابن لم يقصد بذلك إذاء إمِّه، بل هو اجتهد ورأى
مواصلة صلاته أرضى لربِّه من إجابة أمِّه، كما روي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
-رضي
الله
عنه:
«وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ
يُصِيبَهُ» [1] . 4 - قال ابن بطال (
[2] :"وفى دعاء أمه عليه وهو في الصلاة دليل أن دعاء الوالدين إذا كان بنية خالصة أنه قد يجاب، وإن كان في حال ضجر، وحرج، ولم يكونا على صواب؛ لأنه قد أجيب دعاء أمه بأن امتحن مع المرأة التى كذبت عليه، إلا أنه تعالى استنقذه بمراعاته لأمر ربه، فابتلاه وعافاه، وكذلك يجب للإنسان أن يراعى أمر ربه ودينه، ويقدمه على أمور دنياه فتحمد عاقبته" [3] . 5 - قال النووي رحمه الله:"قال العلماء هذا دليل على أنه كان الصواب في حقه إجابتها لأنه كان في صلاة نفل والاستمرار فيها تطوع لا واجب وإجابة الأم وبرها واجب، وعقوقها حرام، وكان يمكنه أن يخفف الصلاة، ويجيبها، ثم يعود لصلاته، فلعله خشي أنها تدعوه إلى مفارقة صومعته، والعود إلى الدنيا، ومتعلقاتها،"
وحظوظها، وتضعف
عزمه فيما نواه
وعاهد عليه" [4] ."
(1) أخرجه الدارمي في مقدمة سننه، باب في كراهية أخذ الرأي، الطبعة: الأولى، 1412 هـ - 2000 م، الناشر: دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، بتحقيق: حسين سليم أسد الداراني، 1/ 286، رقم الحديث:
(2) سبقت
ترجمته ص 41.
(3) شرح صحيح البخارى لابن بطال، 6/ 611.
(4) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي، 16/ 105.