وقد ظهر لي تحديد هذه الأقوال بناء على ما وقفت عليه من اختلافهم في مفطرات الصيام على مر العصور كما سيأتي بيانه إن شاء الله في المبحث الأول، والله أعلم وأحكم.
ومما يجدر التنبيه عليه أن جمهور المفتين المعاصرين في المفطرات الطبية في وسائل الإعلام وفي المجامع الفقهية ودور الإفتاء؛ بل وجمهور المفتين من القضاة وأساتذة الفقه في الجامعات قد بنوا فتاويهم وآراءهم على أن علة القياس في المفطرات هي وجود التغذية؛ ولذا احتاجوا إلى آراء الأطباء وتحاليلهم المخبرية ليميزوا بين المغذي من تلك العقاقير وغير المغذي.
أما المخالفون لهم من المعاصرين الذين اعتبروا علة القياس هي الإدخال، فلم يحتاجوا كثيرًا إلى آراء الأطباء للتفريق بين المفطر وغير المفطر، بل إن وجود وصف الإدخال والتأثير في البدن كاف في اعتبار الداخل مفطرًا. وهذا الوصف أمر يدركه عامة الناس وخاصتهم وهو الذي يتفق مع سماحة الإسلام ويسره؛ لأن الصوم مطالب به جميع طبقات المجتمع من عوام وأنصاف متعلمين وعلماء.
قال تقي الدين أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: «إن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام» [1] ، كما أنه المتفق مع قول جمهور الأمة، ولهذا لم أعول كثيرًا على آراء الأطباء واجتهاداتهم، بل إن الواجب التعويل على أقوال أصحاب اللغة والأصوليين والفقهاء؛ لأنه بالوقوف على أقوالهم واجتهاداتهم تتحرر الأقوال الراجحة من المرجوحة، كما تظهر علة القياس.
(1) مجموع الفتاوى 25/ 235، وسيأتي عند تحديد رأيه في المبحث الأول.