بكاؤهم، وأن الزمخشري جعل هذا من بدع المتصوفة، ثم عقب على ذلك بقوله:"وكأني بك تقول: إن أكثر ما ذُكر في باب الإشارة من هذا الكتاب من هذا القبيل، والجواب أنا لا ندعي إلا الإشارة، وأما أن ذلك مدلول اللفظ أو مراد الله تعالى، فمعاذ الله تعالى من أن يمر بفكري، واعتقاد ذلك هو الضلال البعيد، والجهل الذي ليس عليه مزيد، وقد نص المحققون من الصوفية على أن معتقد ذلك كافر والعياذ بالله تعالى، ولعلك تقول: كان الأولى مع هذا ترك ذلك، فنقول: قد ذكر مثله من هو خير منا، والوجه في ذكره غير خفي عليك لو أنصفت". [1]
وأنت إذا تأملت كلام الآلوسي هذا، وأعطيته ما يستحق من النظر، علمتَ مبلغ جهل من اتّهمه بموافقة الباطنية والأخذ عنهم، ورأيتَ، لو كنت من المنصفين، أنه لم يتنكب طريق الحق، ولا حاد عن جادة الصواب، إذ في كلامه بيان شاف لحرصه، رحمه الله، على التفريق بين منهج الباطنية وطرقهم في التأويل التي تعطل ظواهر النصوص، وبين منهج من يستنبطون بعض الإشارات من الكتاب الحكيم.
ويُقَوِّي هذا ما ذكره الآلوسي من أن ابن عطية ذكر أنه روي عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: (أنزل من السماء ماء) يريد بالماء الشرع والدين، وبالأودية القلوب، ومعنى سيلانِها بقدرها أخذ النبيل بحظه والبليد بحظه. وأنه، أي ابن
(1) روح المعاني 7/ 130