إن الناظر في هذا التفسير المترامي الأطراف، والبعيد القعر والأكناف، المسبك من غرر ما تكلم به أهل هذا الفن ورواده، ليجد نفسه واقفًا أمام بحر زاخر، وموج متلاطم، لا يستطيع مخره إلا المهرة من الرجال، ولا يدرك قعره إلا ذوو القوة والجلد والاقتدار، فموارده كثيرة متنوعة، ودرره نفيسة متمنّعة، لا تتأتى إلا بالحكمة والاصطبار، والدراية والاعتبار.
هو البحر في أحشائه الدر كامنٌ ... فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
ولقد أحسن ابن عاشورـ رحمه الله ـ حين قام بوصف تفسيره بنفسه، وذلك في مقدمته، حيث كفانا مؤنة ذلك، فأهل الدار أدرى بما فيها، فقال ـ رحمه الله ـ:"فجعلت حقا علي أن أبدي في تفسير القرآن نكتًا لم أر من سبقني إليها، وأن أقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها وآونة عليها، فإن الاقتصار على الحديث المعاد، تعطيل لفيض القرآن الذي ما له من نفاد. ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحد رجلين: رجل معتكف فيما شاده الأقدمون، وآخر آخذ بمعوله في هدم ما مضت عليه القرون، وفي كلتا الحالتين ضر كثير، وهنالك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير، وهي أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبه ونزيده، وحاشا أن ننقضه أو نبيده، عالمًا بأن غمض فضلهم كفران للنعمة، وجحد مزايا سلفها ليس من حميد خصال الأمة، فالحمد لله الذي صدق الأمل، ويسر إلى هذا الخير ودل. والتفاسير وإن كانت كثيرة فإنك لا تجد الكثير منها إلا عالة على كلام سابق بحيث لاحظ لمؤلفه إلا الجمع على تفاوت بين اختصار وتطويل."
وإن أهم التفاسير تفسير الكشاف [1] والمحرر الوجيز لابن عطية (2) و مفاتيح الغيب لفخر
(1) للزمخشري: محمود بن عمر بن محمد بن عمر، أبو القاسم النحوي من أهل خوارزم، إمام في النحو واللغة، توفي سنة: 538 هـ. (انظر: الوجيز في ذكر المجاز والمجيز، لأحمد بن محمد الأصبهاني: ص 134. ـ ونزهة الألباء في طبقات الأدباء، لكمال الدين الأنباري، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الأنصاري: ص 290) .
(2) ... هو: عبد الحق بن غالب بن عطية بن عبد الرحمن المحاربي كان فقيهًا، عالمًا بالتفسير والأحكام والحديث والفقه، والنحو والأدب واللغة، وقيل: توفي سنة: 541 هـ أو 546 هـ. (انظر: الإحاطة في أخبار غرناطة، للسان =