وكتب الأطباء التقارير عن أخطارها، وشكى العقلاء الصفحات الطويلة عن مصائبها، والآباء والأمهات والمدرسون وكل المجتمع يشتكي من المجرمين، كل ذلك لماذا؟ قالوا: هذا نتيجة الخمر، قالوا: وما المانع، ولماذا لا نحرم الخمر؟! ودُرِسَ الأمر دراسة جادة، وحسبت التكاليف التي يمكن أن تنفق للدعاية لتحريم الخمر، وعينت وشكلت اللجان والهيئات في مداخل البلاد، وعينت لجان التفتيش على مصانع الخمور، وضُبط الأمر ورتب وأعلن رسميًا باسم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية: أن الخمر قد حرمت في الولايات المتحدة جميعًا، وأن الحرب عليها قد أعلنت رسميًا وشعبيًا، وعملت الدعاية دورها، وكلكم يعلم قوة الدعاية الأمريكية إذا أرادت أن تدعو إلى أي شيءٍ شرًا كان أم خيرًا.
ومرت السنة الأولى والثانية وتفاقم الأمر خطرًا، فضوعفت البنود للنفقات، وبعثت هيئات التفتيش ورجال التفتيش، وبذلوا الجهود أكثر وأكثر، وبذلوا التحريات أكبر وأكبر، ثم جاءت التقارير بأن الأمر قد تفاقم، وأن شربها قد ازداد، وأن المصانع قد أصبحت في الخفاء أكثر مما كانت في العلانية، وأن الناس يحتالون على إدخالها من المنافذ بجميع أنواع الحيل، وأن الأمر قد تجاوز الحد، وأن كل المليارات التي أنفقت في الدعاية لم تجد أي شيءٍ، واجتمعوا وأعادوا الاجتماع مرة إثر مرة، وفي النهاية لم يجدوا بُدًا من أن يعلنوا رسميًا وشعبيًا أن الحرب على الخمر قد انتهت وأنها حلال كالماء، لماذا؟ هل تنقصهم حضارة؟! هل تنقصهم ثقافة؟! هل تنقصهم معلومات طبية عن أضرار الخمر؟! هل تنقصهم إحصائيات عن الجريمة وعن أثر الخمر في إفساد المجتمع؟! لا، لا يوجد دولة في العالم تملك في هذا الشأن مثل هذه الدولة، فما الذي ينقصهم؟ ولماذا لم ينجحوا إذًا؟ ولماذا نجح المجتمع الإسلامي في محاربة هذا الداء الخبيث