وهو إستاذ جامعي لم يكتف بأن يعيش حياته كلها في إطار الجامعة وحياتها وقواعدها، ولكنه من اهتماماته ونشاطه إلى خارج حدودها، معتقدا أن ثمة خيرات وحياة اغني، وفرصة أوسع لممارسة وتحقيق قدرات الإنسان التي تقع خارجها، ومن الخطأ تجاهلها، وهو أيضا رجل اوروبي لديه حساسية فائقة تجاه التاريخ والتقاليد الأوروبية.
ورغم كل ما أحاط بكيسنجر من إهتمام وأضواء وبشكل خاص منذ دخوله للبيت الأبيض، إلا أن القليلين هم الذين اهتموا بالجانب الفكري والثقافي لهنري كيسنجر، فواقعا أنه شق طريقه في الحياة وإلى سلم المناصب والسلطة من خلال ما يتميز به من ذكاء وسحر الكلمة، وهو أمر تبدو أهميته أعظم في مجتمع مثل الولايات المتحدة، لايرتقي فيه الآخرون إلا بالتطاحن والمؤامرات.
فبعد حقبتين من إنتهائه من رسالة الدكتوراه التي درس فيها دبلوماسية القرن التاسع عشر وسياسته، اصبح كيسنجر وزيرا الخارجية أمريكا، والذين درسوا بعمق رسالته، ثم تابعوا أعماله السياسية والدبلوماسية لا بد أنهم لاحظوا أن دبلوماسيته تكمن في أعماق تاريخه الأكاديمي، وتمثل إلتحاما ملحوظا بين شخصيته وتكوينه الأكاديمي، وبين شخصيته كسياسي ورجل دولة. ومن هنا فإنه يختلف عن معظم الساسة الأمريكيين، وعن الخمسة و الأربعين وزيرا للخارجية الأمريكية الذين سبقوه في أن سياسته إنما تتأسس على نظرية محددة، وليست على مجرد الإستجابة اليومية للأحداث. وهذه النظرية ترتكز على ثلاثة دعانم، وهي: أولا: أنه لكي يكون ثمة سلام، فلا بد أن تكون هناك تسوية قائمة على التفاوض يخرج
منها الجميع في حالة توازن، يقوم على أن يحصل كل طرف على قدر من الرضا، وألا يخرج منه احد وهو ساخط تماما، وهكذا فإن أحدا لن يعمد إلى الإطاحة بهذه التسوية من خلال حرب أخرى.