ثم أني قد أقضيت أكثر ليالي بالمطالعات، لأقف على تاريخ ثابت، فلم توصلني معرفتي إلى شيء مفيد الا الى صحة هذا التاريخ، فجميع ما ذكرته اذا شواهده عظيمة تؤيد صحته، وأخيرا لو أردنا الرجوع إلى ما وراء الألوف من السنين، ونظرنا إلى التواريخ القديمة، والى كل تاريخ كان الأول من نوعه كهذا، فماذا يمكن أن تؤيد منصوصاته الا بمؤرخين أتوا بعده، ودرسوا تلك المنصوصات وفحصوها، حتى إذا ما رأوها معقولة وصوابية أيدوها، أما تاريخنا هذا، فمن الجمعية من الناس من رآه؟ أو عرفه أو اطلع عليه غير التسعة أجداد مؤسسي الجمعية، وظلت أسرار مندرجاته جميعها محصورة ومكتوبة بين أحفادهم على التعاقب، بحيث لم يكن قط عدد هؤلاء الا تسعة، فنحن وأنت الأولان بين البشر قاطبة، على ما أوقن اللذان اطلعا عليه قبل كل انسان، فمن جهتي أنا إني أؤيد صحته، لأني مثل غيري، حتى الآن ما رأيت غيره، أثبت منه أو مستوجبا للثقة أكثر منه، ومع ذلك إذا رأينا فيها بعد تاريخ أصدق وأوثق فتترك هذا ونتبع ذاك.
يقول الأستاذ عوض الخوري: فبهت عند ذلك الشرح ورأيتني مرغما لتصديق هذا التاريخ، بعد أن رأيت رئيس جمهورية البرازيل، أعاره کل ثقته وملء يقينه وعضده بكل قوته، كما فهم من جوابه المذكور.
وبعد ذلك كله أكببت على العمل بجد لا يعرف الملل، وكان عملي كله في منزله لأنه لم يسمح لي باخراج الكتاب (النسخة الفرنسية) من سكنه، وأبي ألا أن يكون جميع شغلي في منزله، وليس خارجه كما أنه حظر على ترجمة بعض مقاطع، فألصق عليها ورقة وسترها عن نظري وقال لي: (انه يستغني بطمأنينة عن طبع هذه المستورات لأنها لا تزيد شيئا في جوهريات الكتاب بل انها اذا طبعت قد تثير الخواطر وتسبب عثرات في سبيل تعميم هذا التاريخ)
فأنصيبت بكل جهد وجد على الترجمة وأنجزتها، وجعلتها نسختين حسب طلبه