الصفحة 18 من 474

وبقاء

وعلى هذا الأساس بقوم البحث الحالى. فهو دراسة في الجغرافيا السياسية بجانبيها التاريخي والمعاصر، تحاول أن تتبع مورفولوجية التاريخ داخل إطار أو أطر واضحة التحديد من مورفولوجية الجغرافيا، وتسعى إلى أن تصب حركة التاريخ وتقتلها في خطوط اقليمية غير باهتة أو متميعة على الأقل. وعلى ذلك فالدراسة نتتبع أولا حركات بناء الإمبراطوريات والتوسع الاستعماري عبر العصور، عصرا بعد عصر. محللين دوافعها ومحركاتها، أنماطها الجغرافية وصراعات القوى فيها أو من حولها. نقاط قوتها أو ضعفها الاستراتيجي، كما نحاول أن نستشف ونستنتج منها دروسها الجيوستراتيجية الأكثر خلودا و بقاء.

كل أولئك دون أن تفرض على الحقيقة التاريخية الموضوعية الغفل ذاتها: نظرية عاملة» بعينها أو قانونا مبنسرا أو شبه قانون. إلى أن نصل إلى الفترة المعاصرة، فبعدها يكون قد تجمعت لدينا من ناحية كل روافد التاريخ وتياراته، وتراكمت دروسه، وتواتر تکراره، بحيث يتجسد منطقه تلقائيا ويمكننا أن نضع أيدينا على نبضه. ومن ناحية أخرى نكون في حل علميا من أن نحاول إخضاع هذا الركام الضخم من الحقيقة التاريخية لنظرية أو أخرى تستقطبيها أو تختزلها لتكون تلخيصا أو تقنينا للتاريخ أولا ومفتاحا للتنبؤ بالمستقبل ثانيا.

وفي هذه الدراسة ينبغي لنا أن ننبه إلى تداخل بعدين أو عنصرين، لا انفصام لها في الواقع، وهما الاستعمار کحركة توسع وتسلط، وصراع القوى الاستراتيجية كعملية بقاء أو تضخم، وليس كل صراع بين القوى هو من أجل الاستعمار، ولكن كل استعار هو صراع من أجل القوة. بيد أنه يبقى في النهاية أن كلا منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به، إن لم يكونا في الحقيقة جانبين لنفس الشيء.

ولقد يمكن أن نكتفي في تتبع أصول الاستعار الحديث بالبدء بعصر الكشوف الجغرافية، ولكن لكي نفهم استراتيجية القوى العالمية لابد أن نوغل إلى أبعد أعاق التاريخ، لأنه بالدور التاريخي الكامل وحده تبرز الشخصية الاستراتيجية الكامنة لأي اقليم. وهكذا تعود الدراسة الأصولية التاريخية الكاملة فتؤكد أهميتها وضرورتها، وصولا إلى كليات ودخائل الموقف السياسي العاصر، وإنها لرحلة طويلة شاقة بالتأكيد، ولكنها شيقة طموح بنفس الدرجة، وأكثر منها واعدة ومجزية إلى أقصى حد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت