من حيث أمرين .. الأول تمثل في سوء وضع الرعايا غير المسلمين في الدولة المسلمة، وما نتج عن هذا من صراع طويل بين الإسلام والمسيحية، واحتياجات الأمن في المناطق التي يختلط فيها السكان المسلمون بالمسيحيين في الوقت الذي كان فيه الولاء الديني أمرأ مهما. ويمكن لنا أيضا أن نضيف مثالا لما مارسه الكهنة والملوك المسيحيون، فقد شكل هذا في نهاية الأمر موقفا عنيفا لبعض المسلمين. وفي هذه الفترة وما بعدها أصبحت العلاقات بين المسلمين ورعاياهم المسيحيين واليهود أشد تعقيدة، وأكثر صعوبة"."
أما التغيير الثاني البارز فقد تمثل في العلاقات بين الشرق الأوسط وأوروبا، فمن المعروف أن هذه العلاقات كانت محدودة جدا فيما قبل القرن الحادي عشر، ولكن الدويلات الصليبية ابتكرت أسسا جديدة للعلاقات التي وجدها كل حلفائهم المسلمين وسيلة للبقاء؛ ففي أثناء فترة الحكم الصليبي ثبت التجار الأوروبين، ومعظمهم من الإيطاليين، أقدامهم في موانئ الشرق الأدنى الإسلامي حيث شكلوا جاليات منظمة تنتمي لرؤسائهم وتحكم بقوانينهم، ولم يقض إعادة الفتح الإسلامي لتلك الموانئ على نشاط التجار الأوروبيين، وإنما على العكس من ذلك لم يهتم الحكام المسلمون بإزعاج هؤلاء التجار وفضلوا تشجيع تلك التجارة التي كانت مصدرا ماليا مميزا لهم، ولن يشتركون معهم فيها. واستمر التجار الأوروبيون في العمل الذي ازدهر في المعاقل المسيحية السابقة، حتى إنهم ظهروا، في تلك الفترة، في مصر وفي أماكن أخرى لم يفتحها الصليبيون.
تلك القنوات الجديدة مع أوروبا أثرت في الجاليات المسيحية التي تعيش في الشرق الأوسط تحت الحكم الإسلامي، ومنذ هذا الوقت وما تلاه، كانت هذه الجاليات على اتصال دائم مع الغرب، إما من خلال التعامل مع التجار الأوروبيين، أو من خلال الاتصالات الدينية بين المجموعات المسيحية المختلفة التي تتحدث اللغة العربية، وهؤلاء هم الذين أفلتوا من الكنائس الشرقية وشكلوا جاليات لها علاقة بكنيسة روما. وساعدت الأتصالات الاقتصادية والكهنوتية على خلق نواة صغيرة لشعب يتحدث اللغة العربية، ولديه بعض المعرفة باللغات الأوروبية، وكذلك بعض الاتصال مع الأوروبيين