وفلسطين، وكان هذا الاتصال لا يتم غالبا في أثناء المعركة، بل غالبا كان يتم من خلال التجارة والدبلوماسية والأحلاف، ولقرون بعد انتهاء الحروب الصليبية، أخذ التجار الفرنج وغيرهم في الرحيل لمصر والشرق، بينما وقع حكام المسلمين معاهدات اقتصادية مع المراكز التجارية الغربية، الواحدة بعد الأخرى.
وفي أقصى الغرب حققت إعادة الفتح المسيحي انتصارات كاملة ونهائية. ولقد طرد الحكام والرعايا المسلمين من إسبانيا والبرتغال وقبل انتصار الإسبان والبرتغاليين بزمن طويل كانوا قد طردوا حكامهم الأوائل إلى أفريقيا. أما في الشرق فقد استطاع الصليبيون أن يحافظوا على بقاء احتلالهم لفترة من الوقت، وكان ذلك نتيجة للإمدادات المتكررة التي كانوا يتلقونها من أوروبا؛ إلا أن الهجمات الإسلامية المتلاحقة استطاعت إضعافهم حتى سقطت آخر قلعة لاتينية في فلسطين، وهي ميناء عكا في يد السلطان المملوكي عام 1291 م، ومع هذا .. فقد بقيت جذوة ضعيفة من الروح الصليبية في أوروبا لفترة، وساعدت على تشجيع بعض الحملات ضد المماليك من مصر وقوة العثمانيين الأتراك الناشئة، ولكن باءت هذه المحاولات بالفشل. وفي نهاية العصور الوسطى فقدت المسيحية الأوروبية الاهتمام وشغلت بأمور أخرى. وفي الوقت الذي نسي فيه المسيحيون الروح الصليبية، تذكر المسلمون روح الجهاد، وقاموا مرة أخرى بشن حرب مقدسة للخلاص، ولاستعادة ما سلبه الغزاة المسيحيون والدفاع عنه، وما أن بدأ النصر يتحقق حئي واصل الإسلام رسالته، وبدأ يرسل قادته إلى بلاد جديدة وشعوب جديدة لم يعرفها من قبل.
لقد كان التأثير الصليبي على الأقطار التي حكمها الصليبيون لمدة قرنين من الزمان شعبنا بصورة ملحوظة، ففي تلك الأقطار وجدت قلة مسيطرة من كاثوليك أوروبا الغربية من البارونات ورجال الكهنوت والتجار مع خدمهم وأتباعهم المختلفين، وكان السواد الأعظم من الشعب بتكون من المسلمين والمسيحيين من الكنائس الشرقية المختلفة، وكذلك من بعض اليهود. ولكن برحيل الصليبيين كان من السهل تبين أن هذه الأقطار أصبحت تؤلف مجتمعا إسلامية، إلا أن الصليبيين تركوا علامة بارزة في هذه الأقطار