الصفحة 40 من 356

واستمرت الدويلات الإسلامية الجديدة المقامة في بلاد البحر المتوسط في صراع ضد المسيحيين الأوروبيين لفترة، لكن بعد قليل من الوقت تحول اهتمام المسلمين من الحرب المقدسة ضد الوثنية إلى مشكلات خارجية ملحة، فمنذ الأزمنة المبكرة كانت هناك خلافات طائفية داخل العالم الإسلامي بين السنة باعتبارها نموذج الإسلام، ورئيسها الشرعي هو الخليفة العباسي في بغداد، وبين الطوائف المختلفة الأخرى التي تندرج تحت الشيعة الذين اعترضوا على آراء السنة وعلى شرعية الخليفة السني، وخلال القرن العاشر وجد منافسون هم الفاطميون الذين ظهروا أولا في تونس، ثم في مصر، واعترضوا على زعامة العباسيين للعالم الإسلامي، وكان هناك أيضا حكام ذاتيون ومستقلون في الدويلات الإسلامية قبل الفاطميين، وكانوا جميعا يتظاهرون بالولاء والاحترام على الأقل أمام سلطة الخليفة العباسي السني. أما الفاطميون فعلى العكس من ذلك .. فقد أنكروا كل مظهر للولاء وادعوا أنهم الخلفاء الوحيدون الشرعيون للإسلام، وأنهم جاءوا ليطردوا العباسيين المغتصبين. ومن ثم فإنه بدلا من وجود خليفة واحد أصبح هناك خليفتان للإسلام، وسرعان ما أصبحوا ثلاثة عندما تصب الأمير الأموي القرطبة نفسه خليفة في الأراضي التي يحكمها، بعد أن هدده الفاطميون بالتوسع والنشاط الهدام، ولذا أصبح الانشقاق المذهبي والتصادم بين الخلفاء المتنافسين هو مناط الاهتمام الأول في العالم الإسلامي، ونسي الجميع تماما الصراع القديم على الحدود، وسرى شعور مشترك بين السنة والشيعة أن عصر البطولة قد ولى، وأن الحدود بين الإسلام والمسيحية أصبحت ثابتة بقدر ما، ولا يمكن بحال تجنب إقامة علاقات مع دول غير مسلمة.

ولكن إذا كان الجهاد بالنسبة للمسلمين قد توقف في فترة ما .. فإنه بالنسبة للمسيحيين كان قد بدا، فلم ينس المسيحيون أن الجزء الأكبر من الامبراطورية الإسلامية يتكون من الأراضي التي كانت تخص المسيحيين، بما في ذلك الأراضي المقدسة، حيث نشأت الديانة المسيحية، وما شجع الهجوم المضاد الذي قامت به المسيحية ضد الإسلام إنما هو الضعف الواضح والإهمال الذي تفشى في العالم الإسلامي. كذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت