رأينا في الفصل السابق أن الزعم بوجود حكومة صالحة في حدود الدولة الحديثة تضعفه الدراسة المتفحصة لتنظيمها الدستوري. وفي ما يخص حكم القانون، ليس لدى الحكم الإسلامي النموذجي إلا القليل مما يمكن أن يتعلمه من نظيره الحديث، لأن طبيعة الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الإسلام كانت أكثر دقة في تجسيد معنى هذا الفصل وهدفه، وأكثر تفوقا قياسا بما نجده في الدولة الحديثة النموذجية. وعند النظر في آثار حکم القانون الحافل بالمعنى في الإسلام، إلى جانب حقيقة أن الفقهاء وفقههم كانوا منتوجاشعيا متحابگا تماما مع نسيج المجتمع المدني، يبرز نظام الحكم الإسلامي، في سياق مقارن، كتعبير متميز أكثر مؤاتة للحكم العادل والديمقراطي.
تستدعي هذه النتيجة، الجلية لأي ش خص على معرفة بالشريعة والنظرية الدستورية الحديثة، بحثا إضافيا في التنظيم الدستوري كما تطرح تساؤلا جدا بصدد الرغبة الإسلامية في دولة حديثة قائمة على مبادئ إسلامية. بيد أن هذه ليست سوى مشكلة واحدة من بين مشکلات أساسية متعددة ينبغي على المسلمين أن يتعاملوا معها، فيما هم يسلكون بلهفة طريق محاكاة الدولة الغربية. وفي هذا الفصل، تقدم مشكلتين معضلتين عويصتين أخريين، مجتمعتين أو حتى متفرفتين، الدق جرس إنذار خطير على الأقل، إن لم تكفيا للتخلي الفوري عن هذا المسار.
تتمثل المشكلة الأولى في ما تشهده أوروبا الحديثة من صعود التمييز - أو الفصل في الواقع - بين ما هو كائن واما ينبغي أن يكون». وسأطلق على هذه المشكلة نشأة القانوني، وهذا اللفظ الأخير يحمل أهمية خاصة. وترتبط المشكلة الثانية بنشأة السياسي، ذلك السياسي الذي أفصحت عنه أشد الإفصاح هوبزية كارل شميت الجديدة. وهاتان الظاهرتان متشابكتان تاريخيا وموضوعيا على حد سواء، ويرتبط سياقهما بتصور وممارسة معينة للسيطرة وسوف أبين أن نشأة القانوني والسياسي في المشروع الحديث يجعلهما غير متوائمين مع الأشكال المؤسسة لأي نمط إسلامي للحكم، لأنهما يناقضان حتى أدنى درجات النسيج الأخلاقي الذي يجب أن يتوافر في أي حكم من هذا النوع كي يمكن أن نسميه إسلاميا على نحو له معنى).
(1) السياسي، قبل كل شيء، هو فضاء نسبي تتوافقات، وبالتالي لا يمكن التعامل معه بالمنطق -