الصفحة 26 من 346

وبحضارة الإسلام، وإما لتملك العجز الحضاري منهم. لكنني واثق من أن مردوده سيكون إيجابيا لدى القارئ الذي يحب التفكير النقدي ويمارسه سواء اتفق مع بعض ما فيه أو كله أم اختلف معه. وأؤكد مرة أخرى أن القارئ قد يرفض بعض ما يطرحه المؤلف في هذا البحث أو حتى كله، لكن أرجو أن يدفعنا مع ذلك إلى التفكير والتمعن، وربما إدراك أن هناك فرقا كبيرا بين أن نقبل واقعا صنع لنا وأن نسعى إلى خلق حاضرنا ومستقبلنا بأنفسنا، بلا ازدراء مغرور للماضي أو رفض مفلس للحاضر.

لا يهدف الكتاب، كما يصرح المؤلف نفسه في أحد هوامشه، إلى إصابة القارئ المسلم والعربي بالإحباط واليأس من عدم قدرته على الفكاك من ورطة الحداثة التي وجد نفسه فيها بلا اختيار منه، ومن استحالة قيام دولة إسلامية تحافظ على خصوصيته الأخلاقية والتاريخية في ظل مناخ دولي لن يسمح لتلك الدولة بأن تزدهر. فهو يعرض المشكلة بأبعادها التاريخية المعقدة ويطرح سريعا مسارات للحل. غير أن من المفترض، بحسب ما فهمت من المؤلف نفسه، أن يكون هذا الكتاب أول خطوة في سلسلة مكونة من ثلاثة كتب أو أربعة، يبني في سائرها على ما بدأه في أولها.

قد يدهش القارئ حين يعلم الآن أن وائل بشارة حلاق، ولد في الناصرة، مدينة المسيح في فلسطين المحتلة عام 1955 لأسرة مسيحية. وتخرج في جامعة حيفا، ثم انتقل إلى جامعة واشنطن للحصول على درجة الدكتوراه. أقول إن القارئ قد يدهش، ظنا منه أن الكتاب هو دفاع عن الإسلام كدين، أو أنه مثال على الخطاب الإسلامي الحديث والمعاصر الذي غالبا ما يتسم إما بالتبريرية وإما الاعتذارية وإما الدوغمائية. لكن حلاق يتحدث عن الإسلام بمفهومه الحضاري الواسع وليس بمفهومه الديني الضيق، بل إنه، على الأرجح، قد يعترض على فكرة تناول الإسلام ضمن المفهوم الديني الضيق،

لأن ذلك لا يمثل تطورا عضوا للإسلام كما فهمه ومارسه المسلمون لأكثر من اثني عشر قرنا. وهذا يعني أن لا علاقة للكتاب بأي خطاب آخر، قد لا يقل استسلاما لفكرة تفوق الحداثة الغربية وافتقارا إلى النزعة النقدية والتاريخانية في التعامل مع التراث. وأعني بذلك، الخطاب الاعتذاري والتبريري والتلفيقي الساعي لإثبات أن قيم الحداثة الغربية، متجذرة في تراث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت