لذلك، لم يتمكن فاتح قط من قهر أوربا بأسرها وإخضاعها إلى سلطة سياسية واحدة، على طريقة الأباطرة الصينيين أو القياصرة الروس. من السمات الاتفاقية المميزة لجغرافية أوربا التي أفادتها وأسهمت في حريتها وجود جزيرة كبيرة يصعب احتلالها قبالة القارة، تمكنت من مراكمة ثروة ضخمة و قوة بحرية كبيرة وقامت بدور عامل التوازن ضد أولئك الذين سعوا إلى الهيمنة على باقي المنطقة حدث ذلك عندما قاومت إنكلترا أسطول الأرمادا الإسباني في نهاية القرن الخامس عشر، والمخططات التوسعية للويس الرابع عشر في القرن السابع عشر، ونابليون في أوائل القرن التاسع عشر، وهتلر في القرن العشرين.
ثلاث مناطق
سوف أقتفي في الفصول الأتية تطور المؤسسات السياسية في ثلاث مناطق من العالم النامي: أميركا اللاتينية، وإفريقيا جنوب الصحراء، وشرق آسيا
تعد منطقة شرق آسيا بالطبع نج عظيم ساطعة هذه الأيام، حيث نجحت اليابان وكوريا وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة في الانضمام إلى نادي البلدان المتقدمة، بينها توشك الصين على تجاوز الولايات المتحدة بوصفها أضخم اقتصاد في العالم. بالمقابل، تعتبر إفريقيا جنوب الصحراء أفقر منطقة، على الرغم من الأداء الجيد نسبية لعدد من البلدان هناك في أوائل القرن الحادي والعشرين. أما أميركان اللاتينية فتقع في مكان ما في المنتصف: فهي حاشدة بها يسميه البنك الدولي بلدان. الدخل المتوسطة، مثل المكسيك والبرازيل والأرجنتين، لكن باستثناء تشيلي على الأرجح، لا يبدو أن ثمة دولة مهيأة لبلوغ مستويات الدخل المرتفع لأوربا، أو أميركا الشمالية، أو شمال شرق آسيا، في وقت قريب.
في الحقيقة، تتصل نتائج النمو الاقتصادي هذه بالتراث المؤسسي للاستعار، مثلما يؤكد الاقتصاديون. صحيح أن للجغرافية والمناخ تأثيرا قويا في أنواع المؤسسات التي تمكنت القوى الاستعمارية من إقامتها في البداية، لكن الجغرافيا ليست قدرة