الخلف .. يداه غمامة أينما هلّت، وكفّه مدرارا أينما وقع نفع، جاد بمهجته فعرّضها للمنايا في سبيل الله، وقدّمها لشفرات السيوف لرفع لا إله إلا الله، فما شجاعته إلا آية لجوده، وما إقدامه إلا برهان على سخائه:
أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة ... = ... دّبت في هول الردى أبطالها
وإذا وعدت وفيت فيما قلته ... = ... لا من يكذّب قوله أفعالها
يعطي ما يملك في ساعة، ويهدي ما عنده في لحظة، هانت عليه الدنيا فمنح أجلاف العرب مئات الإبل، ورخصت عنده الأموال فجاد بالغنائم على مسلمي الفتح: (والذي نفسي بيده، لو أن لي بعدد عضاة تهامة مالا لأنفقته ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا) مالك في الموطأ 977.
ما قال"لا"إلا في التشهد ... = ... وما ترك"نعم"إلا عند المناهي
سئل قميصه فخلعه وأعطاه، وجاد بقوته فعصب بطنه على حرّ الجوع وبلواه .. جود حاتم للصيت والسمعة والرياء، وجود خاتم الأنبياء لمرضاة رب الأرض والسماء.
أنفق من فاقة، وأعطى من فقر، وآثر من حاجة، ووصل مع العوز.
وكان إذا عفا على الجاني أسره بإحسانه، فلا يعاتبه ولا يطالبه .. ينسى الإساءة ويدفن الزلة ويمحو بحلمه لذنب، ويغطي بصفحه الجرم {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85] .
قاتله قومه ونازلوه، فآذوه وسبّوه وشتموه، وطردوه وحاربوه وجرحوه، فلما انتصر عفا وصفح، وحلم وسمح، وصاح في الدهر صيحته المشهورة وكلمته العامرة: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) .
أنشودة أخلاقه: (إن الله أمرني أن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني) . أخرجه رزين أنظر المشكاة 5358 وتفسير القرطبي 7\ 346.
كل خلق كريم في القرآن فهو مترجم في سيرة هذا الإنسان، ولذلك قالت عائشة ... عنه - صلى الله عليه وسلم: كان خلقه القرآن.
وكان إذا وعد وفى، فلم يحفظ عنه أعداؤه خلفا لوعد، ولا خيانة لعهد، مع حرصهم الشديد على الظفر بعثرة له أو زلّة، ولكن هيهات، عاش عمره كله سلمًا وحربا