انفرد المؤرخ أبو علي ابن البناء الحنبلي ، بذكر هذه الحادثة عن غيره من المؤرخين -الذين طالعت مصنفاتهم- ، و مفادها إن مدرسا أشعريا جلس ذات يوم بجامع المنصور ببغداد ، سنة 461ه ، فشرع في التعريض بأهل السنة من الحنابلة و أهل الحديث ، و أشار إلى فضل أبي الحسن الأشعري و من وافقه ، و أوّهم الحاضرين بأن أصحاب الأثر -أي أهل الحديث- يُشبّهون صفات الله تعالى بصفات البشر ، فقام إليه بعض أهل الحديث ، و أنزله من على الكرسي ، لكنه عاد إليه ، فقاموا إليه ثانية ،و كسروا كرسيه ،و عوّضوه برجل منهم (1) .
و لم يذكر ابن البناء تفاصيل هذه الحادثة ، و اكتفى بالعرض الإجمالي لها ، و هي تعبير عن الأزمة التي كانت قائمة بين مذهبي السلف و الخلف ، و هي أيضا محاولة تدخل ضمن مساعي الأشاعرة الرامية إلى الجهر بمقالتهم ،و إثبات ذاتيتهم و لتحدي الحنابلة و أصحاب الحديث الذين فرضوا الاعتقاد القادري (2) على طوائف بغداد بقوة السلطة ، دون أن يجرؤوا على الاعتراض عليه علانية ، لكنهم كانوا يتحينون الفرص المناسبة لنصرة مذهبهم بطرقهم الخاصة التي تناسبهم ، و قد جاءتهم الفرصة الذهبية التي كانوا ينتظرونها ، فعندما تُوفي الخليفة القادر بالله سنة 467ه ، كان الوزير السلجوقي نظام الملك (ت 485ه) ، قد تولى الوزارة في الدولة السلجوقية ، و كان هو أشعري المذهب ، تغيّر حالهم -بدعمه لهم- و تمكّنوا من التعبير عن مذهبهم علانية ، في فتنة ابن القشيري التي أدخلت الأزمة العقدية- التي عصفت بالمذهب السني- طورا جديدا ، أكثر حدة و عمقا و اتساعا .
الحادثة الرابعة: فتنة أبي نصر بن القشيري ببغداد ( سنة 469ه ) :
(1) ابن البناء: يوميات ابن البنا ، ، نشرها جورج مقدسي، في مجلة مدرسة الدراسات الشرقية و الافريقية ، بجامعة لندن مج19 ص:: 15 .
(2) نسبة للخليفة العباسي القادر بالله ،و سيأتي التعريف به لاحقا ، في المبحث الثاني من الفصل الثالث .