الصفحة 21 من 242

و هذه الفتنة أسبابها الظاهرة فقهية ، لكن خلفياتها المحركة لها هي أسباب أصولية عقدية ، تعود إلى النزاع القائم بين الحنابلة و الأشاعرة في إطار الأزمة العقيدية التي ألمت بالمذهب السني ، لذا و جدنا المؤرخيّن ابن الجوزي ،و ابن كثير يطلقان على الشافعية اسم الأشاعرة في هذه الفتنة (1) . كما إن حدوث الاقتتال بينهما هو دليل آخر على إن الأسباب عميقة ، و لا تقتصر على مسألة فقهية فرعية مختلف فيها .

و تُعد هذه الفتنة أخطر ما تجلّت فيه الأزمة العقيدية -التي عصفت بالمذهب السني- إلى غاية سنة447ه ، عندما تحوّل الخلاف إلى الاقتتال ، بين جناحي أهل السنة المتنازعين ، و واضح أيضا إن الحنابلة يتحملون المسؤولية الكبرى فيما حدث في هذه الفتنة ، حين استغلوا نفوذهم السياسي و الاجتماعي ببغداد ، للاعتداء على الأشعرية ، التي هي ربما أحست من نفسها قوة حين دخلت حلبة الصراع العلني مع الحنبلية ، بعد مرور أكثر من قرن من وفاة مؤسسها أبي الحسن الأشعري (ت324أو333ه) ، لإنهاء مرحلة الصمت و التستر ، لكنها أخطأت في تقدير حساباتها عندما قررت منازلة خصمها القوي الذي ما يزال يُهيمن على العامة ببغداد ، و في مقدوره مطاردة معارضيه و منعهم من الالتحاق بالمساجد ، و بجانبه الخليفة السلفي القائم بأمر الله ، يحميه و يُدافع عنه ؛ و لعلها -أي الأشعرية- كانت على وعي بالظرف الذي تمر به ، و على علم بقدراتها و بإمكانات خصمها ، لكنها أصرت على التصدي له ، و التعبير عن معتقدها جهارا نهارا لوضع حد لمرحلة الضعف و التستر ، لذا لم يُثبّطها ما أصابها ، و أصرت على التمسك بمذهبها و الدعوة إليه ، و لم تبال بمعارضة أهل الحديث لها .

الحادثة الثالثة: خصام بين الحنابلة و الأشاعرة داخل جامع المنصور ببغداد (سنة:461ه) :

(1) ابن الجوزي: نفس المصدر، ج 8 ص: 163.و ابن كثير: نفس المصدر، ج 12 ص: 66 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت