إن الجماعة ليست كائنا منفصلا عن أفرادها، فكل فرد فيها هو جزء منها وانتماؤه لها يعطيه حقا فطريا وشرعيا في إن تعطى له الفرصة للمشاركة بحرية كاملة في التشاور مع باقي أفراد الجماعة، وتقديم رأيه ومناقشة آراء الآخرين ومعارضتها إذا رأى ذلك، على إن يلتزم في النهاية بقرار الجماعة الذي يعبر عنه جمهورها (بالأغلبية) .
هذا الالتزام يجعل الجماعة هي مصدر سلطات الحكم، فهي التي تمنح الولايات وتوزعها، وتضع نظامها وتختار من يتولون السلطة فيها وتحاسبهم، كما إن حريتها تعنى حرية أفرادها؛ لذلك فإن القرارات التي تصدر عنها يجب إن يشارك فيها الأفراد المكلفون على قدم المساواة في التشاور الحر، فلا يعتبر القرار صادرا من الجماعة بصورة صحيحة إذا حرم أفرادها أو طائفة من المكلفين الراشدين منهم من الحق في الشورى، ومن باب أولى إذا حرمت الأغلبية نفسها أو الجمهور أو الجماعة كلها من هذا الحق.
إن ممارسة الفرد لحقه في التشاور والشورى الحرة تعنى اشتراكه في القرارات المتعلقة بنظم الجماعة كلها، سواء أكانت نظما متعلقة بشئونها الاجتماعية أم السياسية التنظيمية أم المالية، ولذلك فإن حق الفرد في المشورة والشورى الحرة يتسع ليكون شاملا لجميع شئون الجماعة ومؤسساتها ونظمها وأموالها، وليس خاصا بالشئون السياسية أو شئون الحكم كما يظن بعضهم، إن حق الفرد في المشورة والشورى الحرة هو حقه في حريته وحقوقه الإنسانية التي يستمدها من فطرته الآدمية وشريعة الله؛ لأنها شريعة الفطرة منذ إن كرم الله آدم وذريته بالعقل وحرية الاختيار.
والشورى بالمعنى العام في شريعتنا مبدأ قرآنى، وأصل عام شامل لجميع شئون المجتمع، وتتفرع عنه قواعد وضوابط وأحكام متنوعة، تقيم لنا نظما اجتماعية وسياسية واقتصادية متكاملة ترسم للمجتمع منهاج التضامن والتكامل والمشاركة في الفكر والرأي والمال، إنها ليست مجرد مبدأ دستوري بل هي منهاج شامل وشريعة متكاملة. وسنرى في دراستنا للشورى إن شريعتنا يمكن إن تسمى شريعة الشورى بقدر ما تسمى شريعة الفطرة وشريعة السماء، إنها شريعة إلهية من حيث مصادرها السماوية؛ كما أنها تعتمد على مصادر اجتهادية هي الإجماع والاجتهاد، وكلاهما يفتح الباب للعقل والفكر في استنباط أحكامها ويمهد للأحكام سبيل النمو والتنوع والتطور في نطاق الفقه والعلم اللذين يواجهان تغيرات ظروف الزمان والمكان، وهذان المصدران - الإجماع والاجتهاد - يتجددان من خلال قناة الشورى والتشاور العلمي والفكري.
إن وصف شريعتنا بأنها شريعة الفطرة يعنى أنها شريعة الشورى التي لا تقتصر على حق الفرد في المشاركة في القرار الملزم الصادر عن الجماعة، ولكن يوجد قبلها في الإسلام مبدأ المشورة الاختيارية بينهم أو التشاور واستشارة أهل الخبرة وتبادل المشورة والنصيحة والثقة؛ لأن ديننا يندب الجميع إلى الاستشارة والتشاور والتناصح قبل إصدار أي