فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 98

ومن أمثلة البراعة التي كان يظهرها ابن جهور في وفادته أن أبا الحزم بن جهور قد أوفده مع ولي العهد إلى الأمير باديس حاكم البربر بغرناطة ليعقدا معه معاهدة دفاعية ضد أطماع بني عباد وقد نجح الشاعر في وفادته ومدح باديس وابن جهور ومن لباقته أنه لم ينسب نجاحه في المهمة إلى نفسه بل إلى ولي العهد الذي رافقه فقال:

فداء لباديس النفوس وجاده ... من الشكر في اُفق الوفاء غمام

ومثلك وإلى مثله فتصافيا ... كما صافت الماء القراح مُدام

ثم يتحدث عن ولي العهد وتوفيقه في السفارة قائلًا:

لعمري لقد أحظيته بوفادة ... لأسنى كريم أنجبته كرامُ

فما ابنك إلا عدل نفسك إن يسر ... فللجسم لا للنفس منك مقامُ [1]

وقدّم أبو الوليد لابن زيدون وساطته فرفضها: إذ لا بد أن أبا الحزم قد امتنع بذنب صدر من ابن زيدون فما هو هذا الذنب لقد استقصى الأستاذ علي عبد العظيم جميع الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى هذه الشحناء مستقصيًا الأخبار من مراجعها فخرج بالأسباب الآتية:

أولًا: كان ابن زيدون في عنفوان شبابه وفورة طموحه وكان يرى لنفسه فضلًا في قيام هذه الدولة لذلك كان يطمع أن تكون زمام الأمور بيديه ولكن أبا الحزم بن جهور رجل سياسة وإدارة حيث أمسك بزمام الأمور وإن كان يظهر زهدًا فيها وقد نوّه ابن زيدون بغرضه في شعره كثيرًا ومنها قوله:

آبائي في جواركم الذليل ... وحدّي في رجائكم الكليل

نصيب من ولايتكم كثير ... وحظ من رعايتكم قليل [2]

وأعجب حادثٍ نظري لديكم ... إلى غلل النجاح وبي غليل

ثم يختمها بقوله:

أ أيئسُ من مساعفة الليالي ... وأنت إلى نهايتها سبيل [3]

ثانيًا: منافسو الشاعر وحساده حيث أن ابن زيدون قد بلغ عند ابن جهور المنزلة الرفيعة فكان له حساده ومبغضوه من الوصوليين وهؤلاء كانوا دائمًا يدسّون عليه عند أبي جهور وقد أشار إليهم الشاعر في الرسالة الجديدة حيث يقول:"ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح ونبأ جاء به فاسق وهم"

(1) الديوان، ص 336

(2) الديوان، ص 695

(3) الديوان، ص: 332 - 334

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت